السؤال باسم الله الأعظم

وسمع آخر يقول في تشهده أيضا : ( أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري في الأدب المفرد ) ( اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت [ وحدك لا شريك لك ] [ المنان ] [ يا ] بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم [ إني أسألك ] [ الجنة وأعوذ بك من النار ] . [ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( تدرون بما دعا ؟ ) قالوا الله ورسوله أعلم . قال : ( والذي نفسي بيده ] لقد دعا الله باسمه العظيم ( وفي رواية : الأعظم ) الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى}

الأحد، 25 فبراير 2024

ج9.النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام الفصل الرابع: نبي العالمين محمد خاتم النبيين والنبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام{الفهارس}

 

النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام

الفصل الرابع: نبي العالمين محمد خاتم النبيين

مدخل

...

الفصل الرابع: نبي العالمين محمد خاتم النبيين:

محمد رسول الله:

هو خاتم النبيين.. أكمل الله به الدين، وأتم على يديه الرسالة، وجعله رحمة للعالمين.

والحديث عنه دائمًا حديث متجدد.

فمنذ حمل رسالة الله إلى الناس وهو حديث العالم، قاصيه ودانيه، ولا يزال كذلك إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولقد تعرض محمد رسول الله لأذى كثير من القريب والبعيد، سواء الذين عاصروه أو أولئك الذين جاءوا من بعده، حتى إن واحدًا من علماء المسيحية المعاصرين قال في "دراسته" "ربما لا يوحد صاحب دعوة تعرض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدى التاريخ مثل محمد، كذلك لا يودد أي اتهام أساسه السياسة -لا الدين- مثل الاتهامات التي وجهت للإسلام"1.

ومع ذلك فإن الإسلام -دين الله الذي جاء به محمد للناس- ظل قويًا أبدًا يلقي بظله الممدود عبر صنوف البشر ومختلف القارات.

وأخيرًا وبعد زمان طويل بدأ العالمون من غير المسلمين في الاعتراف بصدق محمد وكمال رسالته واعتباره "الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على كلا المستويين: الديني والدنيوي، فهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وبعد 13 قرنا من وفاته فإن أثر محمد ما يزال متجددًا"2.

__________

1 من بحث للدكتور ميجيل ايرناندث في المؤتمر الإسلامي المسيحي بقرطبة عام 1977.

2 من كتاب: "المائة.. الأعظم أثرا في التاريخ" -للعالم الفلكي الرياضي الأمريكي ميخائيل هارت.

(1/115)

 

وفي الحديث هنا عن محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نجد صغر الحيز المتاح في هذا الجزء من الكتاب يضطرنا إلى التركيز الشديد، لذلك نكتفي بعرض شيء من "البشارات"، ثم نلقي نظرة على "الرسول في القرآن" مع ذكر "قبس من سيرة الرسول"، وحديث عن "معجزات الرسول" وأخيرًا نتحدث عن "محمد نبي الملكوت".

(1/116)

 

البشارات:

لا يزال بين أيدينا إلى الآن بقية من البشارات بنبي الإسلام نكتفي بعرض نماذج منها في إيجاز شديد مما جاء في الأسفار المقدسة في الديانات: اليهودية، والمسيحية، والبرهمية، والمجوسية.

أولًا -بشارات العهد القديم:

1- بشارة التوراة:

"أ" تقول التوراة -التي تكون الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم- إنه قبيل موت موسى فإنه جمع بني إسرائيل كلهم ووقف فيهم معلمًا وخطيبًا وكان "هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع بني إسرائيل في عبر الأردن.. وفي أرض موآب ابتدأ موسى بشرح هذه الشريعة قائلًا: الرب إلهنا كلمنا في حوريب.. فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا" "تثنية 1:1-6، 4:1".

ولقد كان ما أعلنه موسى أمام جميع بني إسرائيل تلك البشارة بنبي مرتقب عظيم الشأن، قال فيها:

"قا لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه.

ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي" "تثنية 18: 17-20".

(1/117)

 

بادئ ذي بدء نقول: إن هناك اتفاقًا تامًا بين المسيحيين والمسلمين على أن هذا النبي المرتقب لم يظهر في بني إسرائيل حتى عهد المسيح. ويتبين ذلك من شهادة كل من بطرس واستيفانوس الذي كان يعتقد أن تلك النبوءة قد تحققت في المسيح.

فقد قال بطرس: "يسوع المسيح المبشر به لكم قبل ... فإن موسى قال للآباء: إن نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به" "أعمال الرسل 20:3-22".

وكذلك قال استيفانوس: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون" "أعمال الرسل 7: 37".

ولا مانع من الموافقة على ذلك بشرط الإقرار بأن: المسيح مثل موسى تمامًا فقد كان موسى عبد الله ورسوله وكذلك يكون المسيح.

إن هذا الإقرار يقضي تمامًا على الخلافات في أساسيات العقيدة بين المسيحيين بعضهم البعض من جانب، وبينهم وبين المسلمين من جانب آخر.

ولكن واقع الأمر -للأسف الشديد- على خلاف ذلك من جميع الوجوه.

والآن ننظر في علامات هذا النبي المرتقب فنجد كلمات النبوة تقول:

"أ" "نبيًا من وسط إخوتهم": وإخوة بني إسرائيل هم أولاد عمومتهم أو أقرباؤهم الذين يشاركونهم نسب الآباء، فأولاد الجد الأكبر إبراهيم وأحفاده يعتبرون إخوة لأنهم ذرية لأب واحد. وقد شاع استخدام لفظ "الإخوة" في العهد القديم ليعني الأقرباء، وأولاد العمومة كما في قوله: "أرسل موسى رسلًا من قادش إلى ملك أدوم. هكذا يقول أخوك إسرائيل" "العدد 20: 14".

(1/118)

 

فالمقصود بـ "إسرائيل" هنا هم الشعب الإسرائيلي الذي كان يقوده موسى، وهؤلاء كانوا أحفاد.. إسرائيل "يعقوب" بن إسحاق بن إبراهيم، كما كان ملك أدوم وشعبه، من أحفاد.. عيسو أخى إسرائيل، علاوة على كون الأدوميين من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، ذلك أن عيسو بن إسحاق هذا كان قد ذهب إلى عمه "إسماعيل، وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم.. زوجة له" "تكوين 28: 9".

وكرر نفس المعنى في قوله: "أوصى الشعب قائلًا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير" "تثنية 2: 4".

فلغة العهد القديم تقول إن: ذرية الأحفاد يعتبرون إخوة لذرية الأحفاد الذين يشتركون معهم في الجد الأكبر.

مما سبق نتبين أن هذا النبي المرتقب: ليس إسرائيليًا لكنه يشارك الإسرائليين جدهم الأكبر.

"ب" "مثلك" إن أهم ما يتميز به موسى أنه جاء بكتاب أنزل من عند الله هو التوراة، يقوم على التوحيد الخالص ويدعو إلى قتل الوثنيين وعباد الأصنام، ثم يفرض شرائع وأحكام تتعلق بالعبادات والمعاملات.

كذلك يتميز موسى بأنه "رجل حروب" فقد نظم صفوف بني إسرائيل وقادهم في الحروب ضد أعدائهم. ومن أمثلة مجهوداته الحربية:

بعد خروج موسى ببني إسرائيل من مصر "أتى عماليق وحارب إسرائيل. فقال.. موسى ليشوع "تابعه" انتخب لنا رجلًا واخرج حارب عماليق.. وأما موسى وهاورن وحور فصعدوا على رأس التلة.. وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا خفض يده أن عماليق يغلب" "خروج 17: 8-11".

ثم بدأ موسى يجهز بني إسرائيل للحرب فقد "كلم الرب موسى في برية سيناء.. في السنة الثانية لخروجهم ... أحصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم ... من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل" "العدد 1: 1-3".

(1/119)

 

وفي حروب بني إسرائيل بقيادة موسى ذاقوا النصر حين أطاعوه وساروا وفق خطته فقد "أرسل إسرائيل رسلًا إلى سيحون ملك الأموريين قائلًا: دعني أمر في أرضك.. فلم يسمح سيحون لإسرائيل بالمرور في تخومه ... وحارب إسرائيل فضربه إسرائيل بحد السيف وملك أرضه" "العدد 21: 21-24".

كذلك ذاق بنو إسرائيل الهزيمة في معركة الجبل1 -وفيهم موسى- حين خرجوا إلى الحرب بهواهم ورفضوا أوامره. وفي هذا قال لهم موسى: "تنطقتم كل واحد بعد حرمه واستخففتم الصعود إلى الجبل فقال الرب لي: قل لهم لا تصعدوا ولا تحاربوا.. فكلمكم ولم تسمعوا بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم إلى الجبل. فخرج الأموريون الساكنين في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما يفعل النحل وكسروكم" "تثنية 1: 41-44".

"ج" "أما النبي الذي.. يتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به.. فيموت ذلك النبي".

إن هذه الفقرة تحدد عقوبة النبي الذي يفتري على الله الكذب فيدعي أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء، فعقوبة ذاك النبي وأمثاله هي القتل. إن قوله: "يموت ذلك النبي" تعني قتله وإلا تصبح عديمة المعنى، لأن الموت نهاية كل حي سواء أكان نبيًا كاذبًا أم صادقًا.

إن ذلك ما تقوله التراجم القديمة: "أما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكم باسمي ما لم آمره بقوله: أو باسم آلهة غيري فليقتل".

لقد درج الكتاب المقدس على استخدام عقوبة الموت لتعني القتل كما في حدود الزنا:

"إذا زنى رجل مع امرأة.. فإنه يقتل، الزاني والزانية ... وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائهما، تميت المرأة والبهيمة إنهما يقتلان.. دمهما عليهما" "لاويين 2: 10-16".

__________

1 يذكرنا هذا على الفور بهزيمة المسلمين في معركة جبل أحد لأنهم خالفوا تعليمات الرسول -صلى الله عليه وسلم.

(1/120)

 

ونقف هنا لنقول: إن توراة موسى تنص بوضوح على أن كل نبي يقول بغير "لا إله إلا الله" فإن نهايته القتل، لأنه متنبئ افترى على الله كذبًا، وعلم غير الحقيقة الكبرى، وهي التوحيد الخالص، حتى لو أتى ذلك الدعي بكل المعجزات والأعاجيب، إن هذا ما تقوله التوراة:

"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا، وأعطاك آية أو أعجوبة ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلًا: لنذهب وراء آلهة أخرى.. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم.. لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم.

وذلك النبي ... يقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم" "تثنية 13: 1-5".

إن آية صدق النبي -إذن- كل نبي، هو أن يقول ويعلم "لا إله إلا الله".

والآن نقول: إن النبي المرتقب الذي لا تزل تبشر به التوراة -إلى الآن- لا يمكن أن يكون سوى محمد نبي الإسلام، فهو النبي الوحيد الذي ظهر بعد موسى وينطبق عليه الوصف أنه "مثل موسى" تمامًا، وذلك لأسباب كثيرة من بينها ما نذكره بعد مسلسلًا من المنشأ إلى نهاية الحياة الدنيوية لكل من هذين النبيين العظيمين:

1- ينسب موسى إلى أبيه عمرام بن قهات بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه يوكابد بنت لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وبهذا يلتقي أبوه مع أمه في الجد الأول لأبيه. ونلاحظ أن صلة الأب بذلك الجد أبعد من صلة الأم به بمقدار جيل واحد ...

وينسب محمد إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.

(1/121)

 

وكانت أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.. إلخ.

وبهذا يلتقي أبوه مع أمه في الجد الرابع لأبيه.... ونلاحظ كذلك أن صلة الأب بذلك الجد أبعد من صلة الأم به بمقدار جيل واحد.

وغني عن البيان أن كليهما قد حمل به وولد ولادة طبيعية.

2-جاء موسى من بيت اختص بالخدمة الدينية وهم بنو لاوى، فقد "أفرز الرب سبط لاوى ليحملوا تابوت عهد الرب ولكي يقفوا أمام الرب ليخدموه ويباروا باسمه" "تثنية 10: 8".

وكذلك جاء محمد من بيت اختص بالخدمة الدينية، فقد كان بنو عبد مناف يلون الرفادة والسقاية، وهما تقديم الطعام لحجاج البيت الحرام وتقديم الماء العذب لهم.

3- وكان موسى راعي غنم قبل رسالته، وكذلك كان محمد راعي غنم قبل رسالته.

4- وقد تزوج موسى قبل رسالته وكانت له ذرية: "أخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر" "خروج 4: 20".

ولقد حدثت هذه العودة بعد الرسالة.

وكذلك تزوج محمد قبل رسالته، وعمره آنذاك 25 عامًا، وكانت له ذرية من خديجة بنت خويلد التي كان عمرها آنذاك 40 عامًا.

5- وكلاهما عدد زوجاته بعد الرسالة، فقد تزوج موسى مرة أخرى من امرأة سمراء أعجبته فتعرض من جراء ذلك للنقد والسخرية، لكن الله -سبحانه- تكفل بالدفاع عنه. فلقد "تكلمت مريم "أخته" وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية لأنه كان قد اتخذ امرأة كوشية فقالا: هل كلم الرب موسى وحده. ألم يكلمنا نحن أيضًا؟

(1/122)

 

فسمع الرب. وأما الرجل موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض.

فقال الرب حالًا لموسى وهارون ومريم: اخرجوا أنتم الثلاثة إلى خيمة الاجتماع، فخرجوا هم الثلاثة ... ودعا موسى وهارون فخرجا كلاهما. فقال "الرب": اسمعا كلامي.

إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا أستعلن له.. وأما عبدي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي.. فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى؟

فحمى غضب الرب عليهما.. وإذا مريم برصاء كالثلج.. فقال هارون لموسى: أسألك يا سيدي لا تجعل علينا الخطية التي حمقنا وأخطأنا بها.. فصرح موسى إلى الرب قائلًا: اللهم اشفها.. فقال الرب لموسى: تحجز سبعة أيام وبعد ذلك ترجع" "العدد 12: 1-14".

وكذلك عدد محمد زوجاته بعد الرسالة بيد أن هنا وقفة لا بد منها:

لقد بعث الرسول وعمره 40 عامًا، وكان زوجته الوحيدة خديجة عمرها آنذاك 55 عاما. واستمرت هي الزوجة الوحيدة في حياة الرسول حتى توفيت بعد الرسالة بنحو 12 عامًا فكان عمر الرسول آنذاك 52، وكان عمرها حين توفيت 67 عامًا، إذ لم يتزوج الرسول ثانية إلا بعد وفاة هذه السيدة الفاضلة العجوز، والتي قضى معها 27 عامًا في حياة زوجية مستقرة، استغرقت كل شبابه وجزءا من مشيبه.

ثم كانت الزوجة الثانية في حياة الرسول -والأولى بعد وفاة خديجة- هي سودة بنت زمعة، أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس. ولم تعرف سودة بالجمال أو الثروة أو المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرًا في زواجه منها. إنما كانت سودة زوجة لرجل من السابقين إلى الإسلام الذين احتملوا في

(1/123)

 

سبيله الأذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد أن أمرهم النبي بالهجرة إليها. وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى ولقيت من الأذى ما لقي.

ولما طال المكث على السكران في أرض الحبشة، ظن أن الأمور ربما تكون قد تحولت إلى جانب المسلمين، فعاد بها إلى أرض العرب، إلا أنه مات عقيب وصوله وترك زوجته مهيضة الجناح.

وهنا يقول الدكتور نظمي لوقا: "كان الموقف عصيبًا، فالمسلمون والمسلمات في ذلك العهد قليل عددهم.. والتنكيل بهم على أشده بعد أن مات أبو طالب عم الرسول حتى اجترأ المجترئون على إيذائه إيذاء بدنيًا عنيفًا، بعد أن كان جل إيذائهم من قبل باللسان والإشارة.

وإذا كان هذا حال الرسول. فكيف يكون حال من دونه من أتباعه؟ كيف يكون حال امرأة فقدت زوجها ولا نصير لها؟

محنة اهتزت لها قلوب المؤمنين وشغلت بالهم. وكان التكافل هو الواجب الأول والخاطر في كل ذهن. من الواجب أن يضم رجل مسلم مثل هذه الأرملة المهددة في دينها المطعونة في طمأنينتها. والتعدد ليس سنة مستحدثة في العرب، بل ذلك حالهم منذ قديم ...

فهل كان محمد، إذا ارتضى الزواج، الرجل الذي يتخلى عن هذه المسكينة فيعرضها للقهر والشماتة؟ معاذ النخوة؟

ليتزوجها إذن! لتكون مدبرة لبيته ومربية لابنته، لا لتكون متعة حس ولذة مضجع.

وإن هي إلا سنوات قلائل حتى أحست هذه العجوز الطيبة القلب أنها عبء على كرم زوجها وبره، فاستأذنته أن تظل في بيته وتعفيه من حقوق الزوجية ... وبقيت هناك تصلي وتصوم وتتصدق، زوجة شرف لا أكثر، وما كانت تصلح من الزواج إلا لهذا، وما صلحت لهذا إلا لنخوة في ذلك الرجل.. هذا هو أول

(1/124)

 

حظه من النساء بعد وفاة خديجة، وما هو بحظ الملهوف على لذات الفراش بعد طول مصابرة ومصانعة"1.

واستمر الدكتور نظمي لوقا في بيان دوافع تعدد زوجات الرسول وظروف كل حالة على حدة وكانت خلاصة قوله:

"هؤلاء زوجاته اللواتي بنى بهن وجمع بينهن. لم تكن واحدة منهن هدف اشتهاء كما يزعمون، وما من واحدة منهن إلا كان زواجه بها أدخل في باب الرحمة وإقامة العثار والمواساة الكريمة، أو لكسب مودة القبائل وتأليف قلوبها بالمصاهرة، وهي بعد حديثة عهد بالدين الجديد.

هي ضريبة واجب إذن. وما كان من الهين على رسول قائد جيش وحاكم دولة محاربة أن يزيد أعباءه بما يكون في بيت كثير النساء من خلافات على صغائر الأمور ...

ولكنه الواجب. واجب الدعوة أو واجب النخوة"2.

لقد عدد كل من موسى ومحمد زوجاته ولا حرج عليه فمن قبل عدد الأنبياء، وعلى رأسهم أبوهم إبراهيم، الذي تزوج هاجر ومعه زوجه الأولى سارة. وبعد موت سارة "عاد إبراهيم، فأخذ زوجة اسمها قطورة فولدت له "6 أبناء" ... وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم وصرفهم ... شرقًا" "تكوين 25: 1-6". لقد عدد إبراهيم الزوجات والسراري وكانت له منهن ذرية.

وكذلك عدد يعقوب زوجاته، فقد تزوج الأختين ليئة وراحيل كما تزوج جاريتهما بلهة وزلفة، فجمع أربعًا في وقت واحد، وجاء منهن بنو إسرائيل.

وعدد داود زوجاته فقد "أخذ داود نساء أيضًا في أورشليم وولد أيضًا داود بنين وبنات" "أخبار الأيام الأول 14: 3".

__________

1 محمد في حياته الخاصة، ص70-72.

2 المرجع السابق، ص110-111.

(1/125)

 

وكانت له أخينوعم اليزرعيلية وأبيجايل امرأة نابال الكرملي ومعكه بنت تلماي وحجيث وأبيضال وعجلة، وميكال بنت شاول.

وأما عن سليمان فحدث ولا حرج إذ تقول الأسفار:"وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون: موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات. من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم، لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة. وكانت له سبعمائة "700"!! من النساء السيدات وثلاثمائة "300"!! من السراري فأمالت نساؤه قلبه" "الملوك الأول 11: 1-3".

الحق ... إن الذين يمارون في تعدد الزوجات إما جهلة وإما منافقون.

وبعد هذه الوقفة التي جاءت في مكانها للحديث عن تعدد الزوجات نعود لنستكمل أوجه التشابه بين موسى ومحمد.

6- كان موسى معافًا في بدنه وعقله. وظل يتمتع بطاقته العقلية والبدنية حتى توفاه الله. "وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته" "تثنية 34: 7".

وكذلك كان محمد معافًا في بدنه وعقله، ولقد كانت رجاحة عقله سببًا في منع حرب أهلية كادت تنشب بين قبائل قريش من أجل التسابق على وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة بعد إعادة بنائها قبل بعثته. فقد اقترح عليهم أن يأتوه بثوب وضع عليه الحجر وأمسكت كل قبيلة من الثوب. فكأنهم حملوه جميعًا إلى ما يحاذي موضع البناء ثم تناوله بيده ووضعه في مكانه.

وكان محمد قوي البدن وسيم الطلعة أزهر اللون اشتهر في قومه بالأمانة فعرف بينهم منذ نشأته بالأمين. واجتمعت فيه كل صفات الخلق العظيم، كما

(1/126)

 

اكتملت فيه المهابة وقوة الشخصية التي تلطفها ألفة ولين جانب، حتى إن الأطفال لتركن إليه وتفرح بمداعبته.

وكان محمد شجاعًا مقدامًا، أول من يلبي داعي النصرة ويقتحم مواطن الخطر. يصف علي بن أبي طالب -وهو الفدائي المقدام- مواقف الرسول في الحرب فيقول: "كنا إذا اشتدت الحرب واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أحدنا أقرب إلى العدو منه".

ولقد عرف كل من موسى ومحمد بالطهارة وسلامة الطبع فعافت نفساهما الطاهرتان كل خبيث من مأكل ومشرب فما ذاقا الخمر أو المسكر.

7- جاء موسى بكتاب من عند الله هو التوراة، لا يزال يقول الذين أعادوا كتابته بعد أن تعرض للضياع والأسر عند الأعداء -ولم يكتمل شرعيته إلا حوالي عام "400 ق. م" أي بعد موسى بنحو 800 عام- أن ما بين دفتيه هو كلام الله ووحيه، فالحديث عن الوصايا العشر يبدأ هكذا: "ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلًا: أنا الرب إلهك. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.. لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما" "خروج 20: 1-4".

"وقال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات.. فكتب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر" "خروج 34: 27-28".

وفي آخر أيام موسى: "عندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدًا عليكم" "تثنية 31: 24-26".

(1/127)

 

وجاء محمد بكتاب من عند الله هو القرآن، يشهد ما فيه على أنه كلام الله الذي أنزل وحيًا إلى الرسول {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195] .

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشوري: 7] .

{قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

وبين التوراة والقرآن، جاء الإنجيل، إلا أن ما بين أيدينا من أناجيل أربعة قانونية لم يقل واحد منها إنه كلام الله، أو إن كاتبه قد كتبه بوحي أو إلهام.

فها هو إنجيل يوحنا الذي كتب بعد أكثر من 70 عامًا من رفع المسيح الذي ينسب إلى أحد تلاميذه يقول كاتبه في خاتمته: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق. وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتب واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" "يوحنا 21: 24-25".

ولا شك أن درجة الدقة هنا يحددها اعتراف الكتاب بأنه لا يظن أن العالم يسع الكتب التي تحكي معجزات المسيح وأن ما سطره ليس إلا شهادة منه كتبها بجهوده الشخصية، وكذلك الحال مع بقية أناجيل متى ومرقس ولوقا بل وبقية أسفار العهد الجديد وخاصة رسائل بولس وتلاميذ المسيح والتي سبق أن عرضنا لها في موضوع الوحي1.

__________

1 راجع كتاب المؤلف: الوحي والملائكة.

(1/128)

 

وكذلك كان المسيح مثقفًا درس الأسفار المقدسة وتتلمذ على طائفة اليهود الأسينيين. ففي بدء رسالته "دخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ.

فدفع إليه سفر أشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه: روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين.. وطوى السفر وسلمه إلى الخادم.. فابتدأ يقول لهم: إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم".

"لوقا 4: 16-21".

مما سبق نتبين أن كلام الله الذي يجعله في فم النبي المرتقب هو ما يقرؤه على الناس شفاهًا بأنه القرآن الذي جاء به، وكان فيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4] .

8- وكما نعلم جميعًا فقد كان كل من موسى ومحمد "رجل حرب" قاد أتباعه في معارك شرسة ضد الكفار وعباد الأوثان، وذاقت قوات كل منهما النصر، كما تعرضت للهزيمة.

ويجب أن نذكر أن "رجل الحرب" في الكتاب المقدس، صفة من صفات الله.

فها هو موسى يعظم ربه بعد غرق فرعون وجنوده ويقول: "الرب قوتي ونشيدي.. هذا إلهي فأمجده.

الرب رجل الحرب، الرب اسمه" "خروج 15: 2-3".

9- ولقد تلقى موسى الرسالة الإلهية وعمره 80 عامًا: "وكان موسى ابن ثمانية سنة وهارون ابن ثلاث وثمانين سنة حين كلما فرعون" "خروج 7: 7".

وكما علمنا فقد توفي موسى عن 120 عامًا، أي أن فترة رسالة موسى بلغت ثلث عمره.

كذلك بعث محمد وعمره 40 عامًا وتوفي عن 63 عامًا أي أن فترة رسالته بلغت ثلث عمره أيضًا.

(1/130)

 

10-وأخيرًا -وليس آخرًا- فقد مات كل منهما ميتة طبيعية ولم يتعرض فيها لقتل أو تعذيب. إنما مات رضي النفس في حضن أهله وعشيرته وأتباعه.

"ب" ثم كانت هناك بشارة أخرى لا تزال تذكرها التوراة تتعلق بالإسلام ونبيه وشريعته، وفتح مكة ودخوله ظافرًا على رأس جيش من صحابته الأبرار: 10000 من القديسين، كما تقول التوراة.

فهذه نبوءة موسى فيهم وفي نبيهم -محمد رسول الله- تقول، حسب ترجمة البروتستانت:

"جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران.

وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم.

فأحب الشعب. جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك" "تثنية 33: 2-3".

وإذا رجعنا إلى نسخة الملك جيمس نجد ترجمة الفقرة التي تتحدث عن "ربوات القدس" وما بعدها تعطينا صورة أوضح، إذ يقول: "وجاء مع عشرة آلاف "10.000" من القديسين. ومن يمينه خرجت شريعة ملتهبة لهم"1.

أما العبارة التي تقول: "أحب الشعب"، فنجدها في التراجم الفرنسية تتكلم عن حب الله للشعوب، أي للناس أجمعين، وليس شعبًا واحدًا، التي جرت العادة، في مثل تلك الحال، أن يفهم أنه الشعب الإسرائيلي، فالفرق كبير بين هذا وذاك. فهذه التراجم "أجل، إنه يحب الشعوب"2.

__________

1 and he came with ten thousands of saints: from his right hand went a fiery law for them.

2 oui, il aime les peuples. (l. s) .

(1/131)

 

وأما قولهم: "يتقبلون من أقوالك"، فهي في نسخة الملك جيمس: "وكل واحد سيتلقى من أقوالك".

وهناك إجماع بين التراجم على أن هذه الفقرة من سفر التثنية، لها علاقة بفقرة أخرى من سفر حبقوق "3:3" سنتعرض لها فيما بعد.

والآن ننظر في هذه النبوة، كما جاءت في سفر التثنية مع الأخذ في الاعتبار ما تقوله مختلف التراجم، نجد أن:

مجيء الرب من سيناء يشير إلى رسالة موسى، حيث ناداه الله في البقعة المقدسة.

وإشراق الرب من سعير، يشير إلى رسالة المسيح عيسى، حيث تمتد سعير جنوب البحر الميت، شرق فلسطين، وحيث اعتزل المسيح نحو 18 عامًا مع طائفة من أهل التقوى والورع يعرفون باسم: الأسينيين.

وأما تلألؤ الرب من جبل فاران، فهو إشارة إلى رسالة محمد الذي جاء من ذرية إسماعيل بن إبراهيم. فلقد سكن إسماعيل في "برية" فاران" "تكوين 21: 21".

وكان "بنو إسماعيل: اثنا عشر رئيسًا، حسب قبائلهم.. وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر" "تكوين 25: 16-18".

هذا.. ولقد دخل محمد مكة في السنة الثامنة من الهجرة في 10.000 من أصحابه، القديسين كما تقول نبوءة موسى. دخلوها بسلام لهم ولأهلها.

فلما دخل المسجد الحرام طاف بالكعبة وسجد لله شاكرًا، ثم دعا القرشيين وقال لهم: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ "

قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم.

قال: "فاذهبوا فأنتم الطلقاء".

(1/132)

 

ثم أتم رسول الله في أول يوم لفتح مكة، ما استمر يدعو إليه طيلة 20 سنة، وما حاربته مكة بصناديدها أشد الحرب فيه. فقط طهر المسجد الحرام من الأصنام وقضى تمامًا على الوثنية.

هذا.. ونجد إشارة أخرى إلى جبل فاران، جاءت في نبوءة حبقوق التي أشارت إليها مختلف التراجم، كما ذكرنا سلفًا. فهي تقول: "الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران" سلاه.

جلاله غطى السموات، والأرض امتلأت من تسبيحه "حبقوق: 3: 3".

إن المسلمين هم الوحيدون بين المؤمنين بالله ورسالاته، الذين يملئون الأرض تسبيحًا، خمس مرات على الأقل كل يوم في الأذان للصلاة، حيث يهتفون قائلين: الله أكبر، ثم يعلنون شهادة الحق الكبرى وهي: لا إله إلا الله.

وإن مكة لهي المدينة المقدسة الوحيدة التي قضى الله -جلت حكمته- ألا يدخلها مشرك نجس. فوجب على المسلمين أن يحافظوا على طهارتها هذه، فذاك قضاء الله في كتب النبيين، كما هتف به أشعياء الذي جاء بعد موسى بستة قرون، فقال نبوءة عن البرية، بلاد العرب المقفرة الجدباء، جاء فيها: "تفرح البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس.. هو ذا إلهكم. الانتقام يأتي. جزاء الله. وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة لا يعبر فيها نجس بل هي لهم" "أشعياء 35: 1-8".

ولقد كان قضاء الله في القرآن العظيم:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] .

حقًا ... لقد عوض الله رسو له بصحابة عظام، قادهم في جيش من 10.000 قديس، كان كل منهم -كما تقول نبوءة التوراة- "يجلس عند قدمي النبي يتلقى من أقواله".

(1/133)

 

2- بشارة المزامير:

ثم كانت نبوءات المزامير عن ذلك النبي المرتقب، ومنها:1.

"أ" أنه وسيم الخلقة حسن المنظر: "أنت أبرع جمالًا من بني البشر".

"ب" رجل حرب من أجل الحق، يحالفه النصر: "تقلد سيفك على فخذاك أيها الجبار.. اركب من أجل الحق والدعة، والبر، فتريك يمينك مخاوف. شعوب تحتك يسقطون، بنات ملوك بين حظياتك".

لقد كان محمد نبي الإسلام صاحب هذه الصفات وصاحب هذه الأحداث.. وفي إحدى الغزوات كانت جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من السبايا، ففك النبي أسارها وتزوجها فلما بلغ الخبر الناس أطلقوا من بأيديهم من أسرى بني المصطلق إكرامًا لمصاهرة رسول الله إياهم حتى لكانت عائشة تقول عن جويرية: "ما أعلم امرأة كانت أعظم من قومها بركة منها".

"ج" كذلك عرف عن محمد نبي الإسلام أنه لم يشتهر بسلسلة نسب تضم في الآباء كثيرًا من الملوك وإن كانت قد ضمت رؤساء قبائل موقرين في أقوامهم ابتداء من أبناء إسماعيل الذين كانوا رؤساء قبائل كبيرة2 حتى جده قصي الذي اجتمع له أمر مكة في منتصف القرن الخامس الميلادي ممثلًا في الحجابة والسقاية والرفادةن والندوة واللواء والقيادة.

ولكن الله -جلت حكمته- عوضه عن ذلك النسب الأبوي بنسب ولدى فقد خرجت منه ذرية وكان له نسب انتشر في الأرض، وكان أولئكم "أهل البيت" النبوي محل تقدير وتعظيم عبر العصور. وفي هذا يقول المزمور:

__________

1 انظر المزمور: 45.

2 تقول التوراة: "هذه أسماء بني إسماعيل حسب مواليدهم: نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار، وأدبئيل، ومبسام، ومشماع، ودومة، ومسا، وحدار، وتيما، ويطور، ونافيش، وقدمه.

هؤلاء هم بنو إسماعيل وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم. اثنا عشر رئيسًا حسب قبائلهم.. سكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو أشور" "تكوين 25: 13-18".

(1/134)

 

"عوضًا من آبائك يكون بنوك تقيمهم رؤساء في كل الأرض".

لقد مات النبي ودرعه مرهونة عند يهودي، فلم يورث مالًا، ولا ملكًا، وإنما ورث علمًا وحكمة ومودة ورحمة، وترك النبي ذرية ونسبًا وصهرًا.

{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] .

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] .

3- بشارة أشعياء:

ثم كانت نبوءات أشعياء1، وفيها عن هذا النبي:

"أ" اشتهر بأنه عبد الله ورسوله: "هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم".

وقد اشتهر محمد نبي الإسلام بأنه عبد الله ورسوله كما اشتهر بذلك عباد الله المكرمون من الأنبياء والمرسلين. يقول القرآن الكريم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1] .

__________

1 انظر على وجه الخصوص الإصحاح 42.

(1/135)

 

"ب" يسود الدين وتكتمل الشريعة التي جاء بها في عهده، لا من بعده: "لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته".

ولقد وعد الله نبي الإسلام أن يتم الأمر الذي جاء به فقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] .

ولقد أكمل الله الدين في حياة النبي حتى إذا توفاه الله ترك الأمة الإسلامية على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لقد اكتمل الدين ونزل القرآن يقول: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

"ج" يعصمه الله من الناس حتى يكمل رسالته: "أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفك وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم".

ولقد طمأن الله نبي الإسلام ألا يلتفت إلى مؤامرات الكائدين له، فالله عاصمه من الناس حتى يبلغ الأمر غايته. ولقد نزل القرآن ليعلن هذا التحدي على رءوس الأشهاد:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] .

"د" ينتسب النبي إلى إسماعيل بن إبراهيم: "لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار" وقيدار هذا هو الابن الثاني لإسماعيل. "تكوين 25: 13".

"هـ" أعداؤه المنهزمون عبدة أوثان، أصحاب أصنام: "يخزى خزيًا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات أنتن آلهتنا":

"و" رجل حروب مقدام ينتصر على أعدائه: "الرب كالجبار يخرج. كرجل حروب ينهض غيرته. يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه".

ولقد سجل القرآن المعارك الكبرى في الإسلام وكان النبي هو القائد والمخطط والمحارب حين البأس:

(1/136)

 

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] .

{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84] .

إن هذا أمر اختص به أولو العزم من الأنبياء والمجاهدين. ولقد كان ذلك أمر موسى بعد أن خرج ببني إسرائيل من مصر، وانتهت مرحلة في جهاده وبدأت مرحلة أخرى، فآنذاك "كلم الرب موسى في برية سيناء.. في السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر قائلًا: أحصوا كل جماعة بني إسرائيل ...

من ابن عشرين سنة فصاعدًا. كل خارج للحرب في إسرائيل، تحسبهم أنت وهارون حسب أجنادهم ويكون معكما رجل لكل سبط، هو رأس لبيت آبائه".

"ز" في دينه هتاف من رءوس الجبال وتسبيح وتكبير: "من رءوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا للرب مجدًا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر".

لقد بني الإسلام على خمسة أعمدة خامسها الحج، وفيه يعقد أكبر مؤتمر ديني عالمي سنويًا بجبل عرفات، وقد جعلت الوقفة بهذا الجبل ركن الحج الركين، إذ قال نبي الإسلام: "الحج عرفة"، فهناك يهتف الحجاج لله ويسبحون ويكبرون ويهللون ويتضرعون بالدعوات وصالح العبادات، وما أعظمه من نسك.

وفي الحج -يتجرد الإنسان عن زخرف الحياة ومتعها، إذ يحرم عليه ممارسة بعض ما اعتاده في حياته الزوجية الصالحة مثل العلاقة الجنسية، والتحلي بأفخر الثياب، وعوامل الصخب والإثارة.

هناك يواجه الإنسان الحقيقة بين يدي خالقه فيأتي هذه التجرية العظيمة طوعًا في الدنيا قبل أن يأتيها كرها في الآخرة، فآنذاك لا ينفع الندم ولا تجدي الحسرات.

(1/137)

 

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 197-198] .

"ح" الشعب الذي ظهر فيه كان متخلفًا ضعيفًا طعمة لكل آكل: "شعب منهوب ومسلوب، وقد اصطيد في الحفر كله وفي بيوت الحبوس اختبئوا. صاروا نهبًا. ولا منقذ. وسلبًا، وليس من يقول رد".

ويقول القرآن: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2-4] .

"ط" ولكن بعد أن جاءهم النبي خرجوا من الظلمات إلى النور: "لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين في الظلمة.

أسير العمي في طريق لم يعرفوها، في مسالك لم يدروها أمشيهم. أجعل الظلمة أمامهم نورًا والمعوجات مستقيمة. هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم".

ويقول القرآن الكريم: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] .

{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 10-11] .

(1/138)

 

إن تجربة الإسلام في عرب الجزيرة العربية نموذج فريد في التاريخ. وأذكر في هذا المقام مقالة الإنجليزي أرنولد توينبي قال فيها: لكي ندرك ما فعله الإسلام بالعرب -بمقاييس العصر- نتصور دولة في حجم كوبا تظهر فجأة، ثم تستولي على نصف الولايات المتحدة الأمريكية وتخضع لها روسيا بأكملها.

ومن الواضح أن ترينبي ضرب المثل بهاتين الدولتين الكبيرتين باعتبارهما القوتين الأعظم في النصف الثاني من القرن العشرين، ويناظرهما في القرن السابع الميلادي: الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الفارسية على الترتيب.

"ي" هو نبي البر الذي يعظم شريعة الله: "الرب قد سر من أجل بره، يعظم الشريعة ويكرمها".

إن بر نبي الإسلام ورحمته بالناس جميعًا أمر يشهد به الجميع حتى من غير المسلمين، ومنهم عتاة تطاولوا على الإسلام ونبيه، ولقد حدث أن مرت جنازة يهودي فوقف النبي تكريمًا للأخوة الإنسانية، فإذا ببعض الصحابة يقول له: إنها ليهودي -وقد علم ما أصاب النبي والمسلمين من أذى على يد اليهود تمثل في مؤامرات وفتن وحرب نفسية وحروب دموية -فأمسك عليه النبي اعتراضه قائلًا: "أليست نفسًا؟! "

صدق القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

ثانيًا -بشارات العهد الجديد:

1- "النبي" المرتقب:

ظهر يوحنا المعمدان "يحيى بن زكريا" نبيًّا في اليهود في مطلع القرن الأول من الميلاد ليبشر بالمسيح -قريبه الذي ولد معه في نفس العام- ويمهد له الطريق.

وعند ما ظهر يوحنا كان اليهود يعلمون يقينًا من نبوءات كتبهم أنه لا يزال هناك في عالم الأنبياء ثلاثة لم يظهروا بعد ولذلك أرسلوا إليه يسألونه.

(1/139)

 

"هذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم، كهنة ولاويين ليسألوه: من أنت؟

فاعترف ولم ينكر وأقر: إني لست أنا المسيح.

فسألوه: إذا ماذا؟ إيليا أنت؟

فقال: لست أنا.

- النبي أنت؟

فأجاب: لا.

فقالوا له: ماذا تقول عن نفسك؟

قال: أنا صوت صاروخ في البرية. قوموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي.

فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟

أجابهم يوحنا قائلًا: أنا أعمد بماء، ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه.. الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه" "يوحنا 1: 19-27".

من الواضح إذن أن لكل واحد من الثلاثة الذين كان ينتظرهم اليهود اسمًا يعرف به، وأن أسماء أولئك الثلاثة هي: إيليا - والمسيح- والنبي.

ومن الواضح كذلك أن النبي المرتقب هو آخر الثلاثة ظهورًا، أي يأتي بعد إيليا والمسيح وذلك لكونه آخر من سأل عنه اليهود يوحنا المعمدان.

ولما كان اليهود قد اشتهروا بظهور الأنبياء فيهم، فإن تسمية هذا النبي المرتقب الأخير باسم "النبي" يعني ولا شك أنه نبي ولكنه ليس ككل الأنبياء.

إنه نبي أمره جلل ونبؤه عظيم. إنه نبي الزمان أو هو "النبي" المرتقب.

(1/140)

 

وحتى بعد ظهور "المسيح" استمر اليهود يخلطون بينه وبين "النبي" المرتقب فقد حدث "في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلًا: إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب.. فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام، قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي.

وآخرون قالوا: "هذا هو المسيح.. فحدث انشقاق في الجمع لسببه" "يوحنا 7: 37-43".

لقد ظهر النبي إيليا "إلياس" في بني إسرائيل في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، وإيليا هذا -انتهت حياته برفعه إلى السماء حيًّا.

ولقد استمر اليهود حتى ميلاد المسيح ينتظرون إيليا أو ظهور نبي يتقدم إليهم بروح إيليا.

ولقد كانت بشارة الملاك للنبي زكريا أنه سيرزق بابن اسمه يحيى "يوحنا" يتقدم بروح إيليا، إذ قال له الملاك:

"وخمرًا ومسكرًا لا يشرب. ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس.. ويرد كثيرون من بني إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته" "لوقا 15: 13-17".

ولقد علم المسيح من حوله أن إيليا المنتظر قد جاء في شخص يوحنا بن زكريا فقد "ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا.. ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًّا؟

نعم أقول لكم وأفضل من نبي.

الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ...

إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي" "متى 11: 7-14".

(1/141)

 

ومرة أخرى "سأله تلاميذه قائلين: فلماذ يقول الكتبة: إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا "قبل المسيح".

فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا يأتي ويرد كل شيء ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا كل ما أرادوا....

حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" "متى 17: 10-13".

والذي عملوه في يوحنا المعمدان أن حاكمًا فاجرًا يدعى هيرودس قطع رأسه وقدمه على طبق إرضاء لراقصة فاجرة جزاء تنديده بعلاقة هيرودس بامرأة أخيه المدعوة هيروديا.

وخلاصة القول الذي لا جدال فيه: إن نبوءات الأنبياء السابقين ومعتقدات الجيل المعاصر للمسيح كانت تقرب يقينا إنتظار ثلاثة مشهورين في عالم الأنبياء هم على الترتيب: إيليا، ثم المسيح، ثم النبي.

ولقد قرر المسيح صراحة أن إيليا قد جاء في شخص يوحنا المعمدان ومن المعتقد بين المسيحيين والمسلمين -أن المسيح قد جاء في القرن الأول من الميلاد.

لم يبق -إذن- بعد المسيح إلا أن يأتي "النبي" المرتقب، النبي الذي يكتمل به الزمان، وفي مجيئه يأتي "ملكوت السموات".

ويذكر التاريخ أن محمدًا نبي الإسلام قد أرسل كتبًا إلى الملوك والحكام من الجيران يدعوهم فيها إلى الإسلام منهم: كسرى ملك فارس وهرقل إمبراطور الروم والنجاشي ملك الحبشة والمقوقس الزعيم الديني لأقباط مصر التي كانت آنذاك تحت حكم الروم. وقد جاء في رد المقوقس: "سلام عليك -أما بعد:

(1/142)

 

فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمت رسولك"، وقد بعث إليه بجاريتين هما مارية وسيرين. وقد عرفت الأولى باسم مارية القبطية التي تزوجها النبي وولدت له إبراهيم. أما سيرين فقد تزوجها حسان بن ثابت.

ولا شك أن التمحيص التاريخي لكتاب المقوقس يقرب صحته لسببين على الأقل:

أحدهما: إن إرسال مارية إلى النبي باعتبارها ردًا كريمًا على كتابه إلى المقوقس ثم زواج النبي منها، وولادتها إبراهيم، ثم موته طفلًا وحزن النبي عليه وحديثه الشهير في رثائه ثم مقالة بعض المسلمين حين وافق موت إبراهيم كسوف الشمس فحسبوا ذلك معجزة وما كان من رد النبي عليهم حين قال قولته الخالدة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته" كل ذلك حقائق تاريخية مسلم بها.

وأما الثاني: فهو قول المؤرخين المسلمين بأن المقوقس لم يسلم على الرغم من رده المهذب، فإن هذا يعني تحريهم الدقة فيما كتبوه، وكان بوسعهم إدعاء خلاف ذلك بعد أن انتشر الإسلام وساد.

بعد ذلك نقول: إن قول المقوقس في رسالته: "قد علمت أن نبيًا بقي" فهو يتفق وما في الأناجيل حتى اليوم. وأما قوله: "وكنت أظن أنه يخرج بالشام". فإنه يعني بوضوح أن توقع خروجه من الشام أو فلسطين مثلًا لا يعدو كونه مسألة ظنية، بدليل قوله: "كنت أظن"، وهو قد توقع خروجه بالشام لأن الشائع أن أنبياء كثيرين ظهروا في تلك البقعة من الأرض، فمن المتوقع -قياسًا على ذلك- أن يظهر النبي المرتقب فيها أيضًا.

بيد أن قول المسيح الذي قذف به في وجه رؤساء الكهنة وشيوخ اليهود في لقائه الغاضب بهم: "أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" "متى 21: 43" إن هذا القول يعني بوضوح وبساطة أن عهد خروج الأنبياء في تلك البقعة قد انتهى. لأن رسالة الله قد نزعت من تلك

(1/143)

 

الأمة اليهودية العاصية. ثم تفضل الله بها على أمة أخرى يشهد المسيح أنها ستكون جديرة بها.

2- "الملكوت" المقترب:

عندما ظهر يوحنا المعمدان كنبي "كان لباسه من وبر الإبل وعلى حقويه منطقة من جلد وكان طعامه جرادًا وعسلًا بريًا.

"وكان" يكرز في برية اليهودية قائلًا: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" "متى 3: 3-4".

ولما "سمع يسوع أن يوحنا أسلم، انصرف إلى الجليل وترك الناصرة.

من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" "متى 4: 12-17".

"وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب" "متى 4: 23".

"ثم دعا "المسيح" تلاميذه الانثى عشر.. هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلًا: إلى طريق أمم لا تمضوا. إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.

وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قالين: إنه قد اقترب ملكوت السموات.

اشفوا مرضى، طهورا برصًا ... مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا" "متى 10: 1-8".

ولقد علم المسيح تلاميذه أن يدعوا في صلاتهم بأن يأتي ملكوت السموات "وإذ كان يصلي في موضع، لما فرغ قال واحد من تلاميذه: علمنا أن نصلي كما علم يوحنا "المعمدان" أيضًا تلاميذه.

فقال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك. اغفر لنا خطايانا ... ولا تدخلنا في تجربة" "لوقا 11: 1-4".

(1/144)

 

وكذلك تلك الصلاة الربانية هي تعليم المسيح في موعظة الجبل الشهيرة. "متى 6: 9-13".

مما سبق نتبين بوضوح أن: يوحنا المعمدان والمسيح، وتلاميذه جاءوا يبشرون باقتراب ملكوت السموات. ومن البدهي -إذن- أن هذا الملكوت شيء يأتي بعد المسيح.

ولقد رأينا أن المسيح تنبأ للإسرائيليين بانتزاع الملكوت منهم. فقال لهم: "إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره".

ومن ثم نتبين أن ملكوت الله الذي كان في بني إسرائيل ثم نزع منهم لم يكن سوى النبوة وما يرتبط بها من وحي ورسالة وكتب سماوية.

وأن المسيح حين تنبأ بنزعه منهم فإنه تنبأ كذلك بإعطائه لأمة أخرى تكون أفضل من تلك الأمة الإسرائيلية التي وصفت منذ عهدها المبكر في توراة موسى بأنها: "أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم" "تثنية 32: 28".

وعندما جاء يوحنا المعمدان يمهد للمسيح كان قوله للإسرائيليين: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" "متى 3: 7-9".

3- الرسول "روح الحق":

يذكر إنجيل يوحنا نبوءة للمسيح عن الرسول العظيم الآتي بعده تقول في شأنه الترجمة العربية باسم نسخة البروتستانت ما نورده في فقرات كالتالي:

"أ" "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن

(1/145)

 

يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم" "14: 15-17".

"ب" "الكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" "14: 24-26".

"ج" "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الابتداء" "15: 26-27".

"د" "أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.

ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي. وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين" "16: 7-11".

"هـ" "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن.

وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل بكل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية" "16: 12-13".

قبل الشروع في دراسة هذه النبوة نلاحظ بادئ ذي بدء أن التراجم المتداولة قد اتفقت على الاسم الثاني لذلك الرسول الآتي بعد المسيح، فكان:

- في العربية: روح الحق.

- وفي الإنجليزية: the spirit of truth

- وفي الفرنسية: l'esprit de la verite

(1/146)

 

لكن تلك التراجم اختلفت في اسمه الأول، فكان:

- في العربية: المعزي "نسخة البروتستانت، والكتاب المقدس للكاثوليك. منشورات دار الشرق".

وأيضًا: المؤيد "العهد الجديد. منشورات دار المشرق".

- وفي الإنجليزية:

king james version "المعزي" the comtorter

revised standard version "المحامي. الناصح"the counsellor

وفي الفرنسية

"l. segond" "المعزى" le consolateur

"t. o. b. et b. de jerus" "الباراقليط: كلمة يونانية" le paraciet

ولما كانت نبوءة المسيح قد ذكرت أنه سيكون رسول يرسله الله الذي أرسل المسيح "الفقرتان: أ، ب"، كان من المنطق الذي لا يحتمل الجدل أن تكون تسميته المبدئية هي: الرسول روح الحق، وذلك إلى أن يتم التعرف على حقيقة اسمه الأول الذي اختلفوا فيه.

إن فهم هذه النبوءة وصدق تأويلها تحكمه مجموعة من الحقائق التي نعرضها فيما يلي:

1- روح الحق إنسان:

ولقد بين يوحنا التلميذ أن روح الحق يطلق على الإنسان الصادق في القول والعقيدة فقال: "أيها الأحباء، لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله ...

(1/147)

 

نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا.

من هذا نعرف: روح الحق؛ وروح الضلال "رسالة يوحنا الأولى -4: 1-6".

من ذلك يتبين أن اللغة الشاعرية التي كتب بها يوحنا التلميذ إنجيله ورسائله، تعني أن: روح الحق هو إنسان صادق، هو من الله، وأن روح الضلال هو إنسان كاذب ليس من الله في شيء.

ولقد أكدت ذلك حاشية كتاب أورشليم الفرنسي "المقدس" فأشارت إلى أن "روح الحق" الذي تكلم عنه يوحنا في رسالته الأولى هنا "4: 6" هو ما سبق أن ذكره في إنجيله "14: 17".

2- روح الحق غير الروح القدس:

لقد ذكرت نبوءة المسيح اسم:"روح الحق" ثلاث مرات وذلك في الفقرات 3: 1، جـ، هـ "14: 17، 15: 26، 16: 13"، بينما استبدل كاتب إنجيل يوحنا هذا الاسم بـ "الروح القدس" مرة واحدة فقط وذلك في الفقرة 3: ب "14: 26".

لقد عالج الدكتور موريس بوكاي هذه المشكلة في كتابه المعروف باسم الكتاب "المقدس" والقرآن والعلم1، إذ بينت المقارنة مع مخطوطة سريانية شهيرة اكتشفت بدير سيناء عام 1812، أن النص الوارد في 14: 26 يخلو من كلمة "القدس" أي أنه يتحدث عن "الروح" فقط، وليس "الروح القدس" وهو ما يعني أن كلمة "القدس" قد أضيفت بفعل أحد النساخ.

__________

1 la bible, le coran et la science، وقد نشرته دار المعارف بالقاهرة تحت عنوان "القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم".

(1/148)

 

يقول موريس بوكاي: "إن أي نقد جاء للنصوص يبدأ بالبحث عن الاختلافات النصية. ويظهر هنا أن ليس في مجموع المخطوطات المعروفة لإنجيل يوحنا نص آخر مختلف من شأنه أن يغير المعنى سوى تلك الفقرة 14: 26 من المخطوطة السريانية الشهيرة المسماة "Palimseste". والفقرة لا تشير هنا إلى الروح القدس وإنما إلى الروح فقط1.. فيما عدا هذه الملاحظة وبعض الاختلافات النحوية التي لا تغير شيئًا من المعنى العام للنص.

وما يهم هو أن المعروض هنا فيما يتعلق بالمعنى الدقيق للفعلين: "يسمع"، و"يتكلم". يجب أن يسري على كل مخطوطات إنجيل يوحنا, وهذا هو واقع الحال، إن فعل "يسمع entendre" في الترجمة الفرنسية هو فعل "akouo" باليونانية، ويعني استقبال أصوات. وقد أعطى الفعل اليوناني، على سبيل المثال، كلمة "acoustique" بالفرنسية، و"acoustics" بالإنجليزية، وتعني علم الأصوات.

وإن فعل "يتكلم parler" في الترجمة الفرنسية فهو فعل "Laleo" باليونانية، ومعناه العام إصدار أصوات وخاصة صوت الكلام. ويتكرر هذا الفعل كثيرًا في النص اليوناني للأناجيل وذلك عند الإشارة إلى تصريح خطير للمسيح في أثناء تبشيره. ويصبح من الواضح إذن أن المقصود بالاتصال بالناس هنا لا يكمن مطلقًا في إلهام من عمل الروح القدس، إنما هو اتصال ذو طابع مادي واضح، وذلك بسبب مفهوم إصدار الأصوات المرتبط بالكلمة اليونانية التي تعرفه. إن الفعلين اليونانين "akouo و"Laleo" يعنيان فعلين ماديين لا يمكن أن يخصا إلا كائنا يتمتع بجهاز للسمع وآخر للكلام، وبالتالي فمن

__________

1 الترجمة العربية بها خطأ فادح فقد قلبت المعنى رأسا على عقب إذ تقول: "والفقرة لا تشير إلى روح فقط وإنما إلى الروح القدس" ص127، بينما النص الفرنسي يقول:

lci, on ne mentionne pas l, esprit saint, mais l, esprit tout court" p. 108.

كذلك تقول ترجمتها الإنجليزية: here, it is not the holy spirit that is mentioned, but quite simply the spirit". p. 114.

ولقد بينت هذا الخطأ في مقال نشر بصحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 21/ 9/ 1988.

(1/149)

 

المستحيل تطبيق هذين الفعلين على الروح القدس.. ولكن إذا حذفنا كلمتي "الروح القدس to pneuma to agion" من هذه الجملة فإن نص يوحنا كله يعبر عن معنى غاية في الوضوح ... إن ذلك يقودنا بمنتهى المنطق أن نرى في الباراقليط "paraclet" الذي ذكره يوحنا كائنًا بشريًا مثل المسيح يتمتع بحاستي السمع والكلام، وهما الحاستان اللتان يتضمنهما النص اليوناني ليوحنا بشكل قاطع.

إن وجود كلمتي "الروح القدس" في النص الذي بين أيدينا اليوم يمكن إرجاعه بسهولة إلى إضافة ألحقت عمدًا فيما بعد، وقصد بها تغيير المعنى الأصلي لفقرة تتناقض بإعلانها مجيء نبي بعد المسيح مع تعاليم الكنائس المسيحية الوليدة التي أرادت أن يكون المسيح هو خاتم الأنبياء"1.

مما سبق يتبين ضرورة إسقاط كلمتي "الروح القدس" التي حرفها قلم الكاتب في 14: 26، واعتبارهما: "روح الحق" التي ذكرت في تلك النبوءة ثلاث مرات متتاليات.

ويحضرنا في هذا المقام ما يقوله الوحي إلى النبي إرميا في هؤلاء المحرفين: "كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقًا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب" "إرميا 8: 8".

3- مجيء الروح القدس غير مرتبط برحيل المسيح:

تقول الفقرة "3: د": من النبوءة، على لسان المسيح: "أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" "16: 7" إنها تقرب هنا شيئًا هامًا وهو أن المسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا معًا، مما يؤكد مرة أخرى أن المعزي لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته.

__________

1 القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص127-129 مع تصحيح الترجمة.

(1/150)

 

فمن المعلوم أن الروح القدس ظل يعمل منذ خلق الله العالم وإلى أن جاء المسيح وإلى ما بعد المسيح وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإذا ركزنا على نشاط القدس في جيل المسيح مع ذكر شيء يسير مما قبله لوجدنا الآتي:

"أ" كان الروح القدس مع داود:

"لأن داود نفسه قال: بالروح القدس قال الرب لربى ... ". "متى 12: 36".

"ب" بارك الروح القدس كلا من زكريا وامرأته اليصابات، وأوحى إلى زكريا وإي سمعان التقي: "امتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلًا: مبارك الرب إله إسرائيل.. وامتلأت اليصابات من الروح القدس.

وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان بارًا تقيًا.. والروح القدس كان عليه وكان قد أوحى إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب" "لوقا 1: 67، 40، 2: 25-26".

"جـ" بارك الروح القدس يحيى وهو في بطن أمه:

"قال له الملاك: لا تخف يا زكريا.. ستلد لك ابنًا وتسميه يوحنا.. ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" "لوقا 1: 13-15".

"د" كان الروح القدس هو المسئول عن حمل مريم بابنها المسيح:

"لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس" "1: 18".

"هـ" ولقد نزل الروح القدس على المسيح واستمر معه بعد أن عمده يوحنا في ماء الأردن:

"ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا، وإذ كان يصلي انفتخت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة": "لوقا 3: 21-22".

(1/151)

 

وقال يوحنا المعمدان: "الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلًا ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس" "يوحنا 1: 33".

"في تلك الأيام جاء يسوع.. واعتمد من يوحنا.. وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلًا عليه" "مرقس 1: 9-10".

"إذ السموات قد انفتحت فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيا عليه "متى 3: 16".

"فالروح القدس -روح الله- استقر على المسيح، إذ أيده الله به، استمر يعمل معه طيلة رسالته.

"و" وكان الروح القدس مؤيدًا للمسيح في دعوته ومعجزاته:

"أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس.

ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل.. وكان يعلم في مجامعهم" "لوقا 4: 1، 14-15".

"أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم.. إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله "متى 2: 24-28".

وكما بارك الروح القدس زكريا واليصابات وابنهما يحيى وسمعان التقي فقد بارك كذلك تلاميذ2 المسيح بعد رحيله عنهم:

"ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم.

وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" "أعمال الرسل 2: 1-4".

(1/152)

 

إن الروح القدس يعمل من قبل أن يأتي المسيح ومن بعد ما جاء لكن روح الحق -الذي انفرد يوحنا بالحديث عنه دون بقية الأناجيل وبين أنه إنسان مؤمن بالله يصدق الحديث- شيء آخر، له عمل ورسالة يخاطب بها العالم لا تبدأ إلا بعد رحيل المسيح.

هذا ... ومن المعلوم أن إنجيل يوحنا يعتبر آخر الأناجيل كتابة بعد رفع المسيح، فقد كتب ما بين عام 100-125م وأنه لم يتقيد بالتسلسل التاريخي للأحداث فاختلف لذلك كثيرًا مع الأناجيل الأخرى. ويعتذر بعض العلماء عن ذلك بشيخوخة يوحنا الذي كتب إنجيله ورسائله أو أملاها حسبما أسعفته ذاكرته.

كذلك عرف عن يوحنا لغته الشاعرية التي تكلمت كثيرًا عن الحب والمحبة وخلطت الخالق بالمخلوق، ولكنه لم يعرف تلك المحبة عندما تكلم عن اليهود الذين ذكر اسمهم في إنجيله أكثر من عشر مرات عن نظيره في أي إنجيل آخر. ويتضح ذلك مما يلي:

- جعل التلاميذ من غير هذا العالم وكذلك المسيح، فقال على لسانه:

"ليسوا من العالم كما أني لست من العالم" "17: 14".

- جعل التلاميذ والمسيح والله شيئًا واحدًا فقال على لسان المسيح:

"ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" "17: 21".

4- الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح:

تقول الفقرة "3: أ" إن المسيح سيطلب من الله أن يرسل لمن سيرحل عنهم رسولًا آخر، وذلك في قوله: "أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر" "14: 16". وفي ترجمة أخرى دقيقة فإن هذه الفقرة تقرأ هكذا: "أتوسل إلى الآب ... ".

(1/153)

 

ثم تطور ذلك في الفقرة "3: ب" إلى القول: "سيرسله الآب باسمي" "14: 26".

ثم تطور مرة أخرى ليكون في الفقرة "3: جـ": "الذي سأرسله أنا إليكم من الآب" "15: 26"، وفي الفقرة "3: د": "إن ذهبت أرسله إليكم" "16: 7". لكن الحق الذي لا مرية فيه هو أن الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح. إن هذا هو ما أعلنه المسيح على رءوس الأشهاد وبينه قولًا وفعلًا من أنه ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، فقال: "تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني. إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي. من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه. وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم" "يوحنا 7: 16-18"، "إني لم آت من نفسي، بل ذاك أرسلني" "يوحنا 8: 42".

"الآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي.. أنا قد أتيت باسم "الله" ولستم تقبلونني" "يوحنا 5: 37، 43".

"إني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية.

فما أتكلم به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" "يوحنا 12: 49".

"أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا.. إني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" "يوحنا 5: 30".

"ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة" "مرقس 6: 4-5".

وكما عجز عن الفعل واعترف بذلك، فقد عجز عن الإخبار بالغيب واعترف بذلك أيضًا. فحين سأله تلاميذه عن "انقضاء الدهر" ويوم القيامة، قال لهم:"أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء ولا "أنا" إلا الآب" "مرقس 13: 32".

(1/154)

 

واعترف المسيح أنه لا يملك من أمر الآخرة شيئًا. فحين "تقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنى زبدى قائلين: يا معلم، نريد أن تفعل لنا كل ما طلبنا. فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟. فقالا له: أعطنا أن نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك. فقال لهما يسوع: لستما تعلمان ما تطلبان.. الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم" "مرقس 10: 35-40".

من الواضح إذن أن المسيح لا يملك من الأمر شيئًا، وأنه لم يأت من نفسه بل الله -مالك الملك ومن له الأمر والخلق- هو الذي أرسله. وهو الذي يحكم بين عباده يوم القيامة ويحدد مصائرهم. ومن ثم يتبين أن كل حديث عن إرسال المسيح "لروح الحق" بعد رحيله عن الدنيا، إنما هو زعم باطل وافتراء على الحق.

5- روح الحق "ما ينطق عن الهوى":

"لأنه لا يتكلم من نفسه، بل بكل ما يسمع يتكلم به" "يوحنا 16: 13".

6- روح الحق يعلم الناس الدين الكامل:

"فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم.... وهو يرشدكم إلى جميع الحق" "يوحنا 14: 26، 16: 13".

7- ما جاء به روح الحق باق إلى الأبد:

إن لغة الكتاب "المقدس" تعتبر الحديث عن الأنبياء مكافئًا صحيحا للحديث عن الكتب التي جاء بها هؤلاء الأنبياء.. ومن أمثلة ذلك كما ذكره لوقا في قصة الغني الذي استمتع بالدنيا وكانت عاقبته الجحيم، ولعازر الفقير الذي كانت عاقبته النعيم في حضن إبراهيم. فحين طلب ذلك الغني المعذب إلى أبينا إبراهيم أن يرسل لعازر من الأموات لينذر أهل بيته، "حتى يشهد لهم لكيلا

(1/155)

 

يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا. قال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ليسعموا منهم.

فقال: لا يا أبي إبراهيم. بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون.

فقال له: إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون" "لوقا 16: 28-31".

لقد مات موسى والأنبياء وتركوا كتبًا هي التي أشار إليها أبونا إبراهيم، وبين أن الحديث عنها هو بمثابة الحديث عنهم. وكان ذلك ما أكده لوقا مرة أخرى في قوله: "ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" "لوقا 24: 27".

فعلى ضوء ذلك يفهم معنى قول المسيح فيما يجيء به الرسول الآتي بعده حين أعلن لتلاميذه أنه: "يمكث معكم إلى الأبد" "يوحنا 14: 16". أن تلاميذ المسيح الذي قال لهم هذا الكلام لم يمكثوا إلى الأبد، لكنهم ماتوا أو قتلوا -جميعًا- منذ تسعة عشر قرنًا. فهذا القول لا يصمد للتأويل حرفيًا ولكنه يعني أن ما يأتي به "روح الحق" "إلى الأجيال المتلاحقة سيبقى إلى يوم الدين.

وخلاصة القول: إن دراسة هذه النبوءة على ضوء ما جاء في الكتاب "المقدس" وما نسبته الأناجيل للمسيح من أقوال يقطع بأن الرسول "روح الحق" الآتي بعد المسيح إنما هو: إنسان، وأنه غير روح القدس الذي لا يرتبط مجيئه برحيل المسيح، وأن الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح، وأن هذا الرسول "ما ينطق عن الهوى"، وأنه يعلم الناس الدين الكامل، وأن ما جاء به وحيًا من الله باق أبد الدهر.

(1/156)

 

إن هذا يقود إلى التسليم بأن هذه النبوءة تنطبق جملة وتفصيلًا على محمد بن عبد الله، رسول الله إلى الناس جميعًا. الذي أكمل الله به الدين وختم به النبوة، فقال وقوله الحق: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

وتكفل الله بحفظ كتابه -القرآن العظيم- فقال في شأنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

اسم الرسول الآتي بعد المسيح:

ذكرنا سلفًا أن التراجم المتداولة لإنجيل يوحنا اتفقت على اسمه الثاني وهو: "روح الحق"، بينما اختلفت في اسمه الأول لاختلاف فهمهم لمعنى كلمة يونانية قد يسمعها شخص غير مدقق فيكتبها: باراقليط "Paraclet"، مما اضطر التراجم الفرنسية الحديثة أن تنقلها صوتيًا على هذه الصورة.

ونريد الآن أن نتعرف على حقيقة هذا الاسم الأول الذي اختلفوا فيه.

في دراسة دينية ولغوية رصينة قام بها عالم اللاهوت المسيحي "سابقًا" ديفيد بنجامين كلداني، وجاءت ضمن دراسات وبحوث أخرى نشرها في كتابه: "محمد في الكتاب المقدس"1 بعد أن اهتدى إلى الإسلام وتسمى "عبد الأحد داود" -نجد فصلًا عن البارقليط، يقول فيه: "أما الإنجيل الرابع فهو مثل أي كتاب أو سفر آخر في العهد الجديد، فقد كتب باليونانية وليس بالآرامية التي كانت اللغة الوطنية لعيسى وتلاميذه.

وبالتالي فإنه تواجهنا مرة أخرى نفس الصعوبة التي لقيناها عندما كنا نبحث في "يودوكيا" الخاصة بما لوقا، وهذه الصعوبة تتلخص في السؤال: ما هي الكلمة أو الاسم الذي استعمله يسوع في لغته الأصلية والتي نقلها الإنجيل

__________

1 ترجمة فهمي شتا -دار الضيافة للنشر والتوزيع- الأردن/ عمان 1985.

(1/157)

 

الرابع بلفظ: "البرقليط" أو "الفرقليط" ثم ترجمت إلى المعزي في جميع نسخ ذلك الإنجيل؟ ...

إن الفرقليط لا تعني المعزي أو المحامي، في الواقع، وهي ليست كلمة كلاسيكية بالمرة، والتهجئة للكلمة هي "paraklytos" ومعناها في الأدبيات اليونانية: شخص يدعى للمساعدة، محام، وسيط، ولا حاجة لأن يدعي المرء أنه عالم يوناني ليعرف أن الكلمة اليونانية التي ترادف المعزي ليست: باراكليتوس "paraclytos" بل باراكلون "paracalon، وثمة كلمة يونانية أخرى مرادفة لكمة معزي وهي: باريجوريتس (parygorytys) بمعنى: أنا أعزي. أما بالنسبة للمعنى الآخر لكلمة: وسيط أو محامي -الذي يتضمنه الكلمة الكنسية، بارقليط "paraclet" فإنني أصر ثانية على أن: باراكالون "PARACALON" وليس: باراكليتوس "PARACLYTOS، وهي الكلمة التي تعطي معنى مشابهًا، واللفظة اليونانية المرادفة لكلمة: محامي "Advocate، هي "Sanegorus" ولكلمة: وسيط أو شفيع، هي: "Meditea" ...

إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب "حسب زعم النصارى" قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو إلى مجيء معز.

ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معز كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب تتهافت وتصبح باطلة.

والواقع أن لغة الأناجيل والرسائل تدل بوضوح على أن العود الثاني لعيسى فوق السحاب كان وشيكًا1، "متى 16: 28، مرقس 9: 1 لوقا 9: 27، تسالونيكي الأولى 4: 15-17" ...

__________

1 تؤكد الأناجيل ورسائل التلاميذ وبولس أن المسيح تنبأ بعودته سريعًا إلى الأرض بعد أن ينهدم النظام الكوني "والنجوم تسقط من السماء وقوات السماء تتزعزع" وأن ذلك سوف يحدث قبل أن يموت الجيل الذي عاصره "24: 3، 29: 34"، ومن ثم فليسوا في حاجة إلى معز.

إنهم في حاجة إلى رسول يعلمهم الحق بعد أن أثبت الواقع استحالة تحقيق تلك النبوءة التي ألحقت ظلمًا بالمسيح.

(1/158)

 

إن البرقليطوس المذكور في إنجيل القديس يوحنا لا يعني ولا يمكن أن يعني: المعزي أو المحامي، وإن الكلمة صورة مشوهة من كلمة أخرى هي: بيرقليطوس "periqlytos".

إن كلمة: بيرقليطوس، تعني من الناحية اللغوية البحتة: الأمجد، والأشهر، والمستحق للمديح، وإنني أتناول مرجعًا هو قاموس إسكندر، الإغريقي الفرنسي، حيث يفسر كلمة "periqleitos" فيقول:

qu' on peut entendre de tous les cotes: qu'il

est tacile a entendre. tres celebre: =periqleitos.

tres celebre, illustre, glorieux: = periqleyos.

tres celebre, illustre, glorieux, = kleos, glorire.

renommee, celebrite'.

هذا الاسم المركب مكون من: المقطع الأول "Peri"، والمقطع الأخير "Kleotis" وهذا يشتق من التمجيد أو الثناء والاسم الذي أكتبه بالحروف الإنجليزية، وهو: "Periqletos أو "Periqlytos، يعني بالضبط ما يعنيه اسم أحمد باللغة العربية.

إن التنزيل القرآني القائل بأن عيسى بن مريم أعلن لبني إسرائيل أنه كان {مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} 1 واحد من أقوى البراهين على أن محمدًا كان نبيًا وأن القرآن تنزيل إلهي فعلًا، إذ لم يكن في وسعه أبدًا أن يعرف أن كلمة البرقليط كانت تعني "أحمد" إلا من خلال الوحي والتنزيل الإلهي، وحجة القرآن قاطعة ونهائية لأن الدلالة الحرفية للاسم اليوناني تعادل بالدقة ودون شك كلمتي: أحمد، ومحمد.. ومن العلامات الرئيسية للبرقليط: روح الحق، عندما يأتي أنه سوف يبكت العالم على الخطية "يوحنا 16: 8" ولا يوجد عبد آخر من عباد الله، سواء أكان ملكًا مثل

__________

1 الصف: 6.

(1/159)

 

داود وسيلمان، أو نبيًا مثل إبراهيم وموسى، بلغ بهذا التبكيت إلى مداه بتصميم وحماس وشجاعة، كما فعل محمد. فكل خرق للشريعة أو القانون إثم وخطيئة، ولكن الوثنية هي أم الخطايا وأصلها1. فنحن نأثم في حق الله إذا أحببنا شيئًا أكثر من حبنا إياه، ولكن عبادة أي شخص أو كائن آخر إلى جانب الله، تعتبر كفرًا. إن جميع العالمين لله قاموا بإنزال العقوبة على مرتكبي الخطايا من جيرانهم وشعويهم، ولكن لم يفعلوا ذلك على نطاق العالم كله كما فعل محمد، إذ لم يقتصر عمله فقط على اقتلاع الوثنية من شبه الجزيرة العربية أثناء حياته، بل قام بإرسال مبعوثين إلى كسرى أبرويز وهرقل، وهما حاكمان لأعظم إمبراطوريتين "فارس وروما"، وإلى ملك أثيوبيا، وحاكم مصر، والعديد من الملوك والأمراء الآخرين، يدعوهم إلى اعتناق دين الإسلام ونبذ الكفر والعقائد الباطلة.

وبدأ هذا التبكيت من محمد بتبليغ كلمة الله كما تلقاها، أي بترتيل آيات من القرآن، ثم بالوعظ والتعليم وممارسة الدين الحقيقي، ولكن عندما عارضته قوى الظلام والكفر بالسلاح، استل سيفه وعاقب العدو الكافر. وكان ذلك تنفيذًا لأمر الله "سفر دانيال: 7". وقد منح الله لمحمد القوة، والسلطان لتأسيس مملكة الله "الملكوت الموعود"، وليصبح أول أمير وقائد عام لها، تحت سلطة ملك الملوك ورب الأرباب "الله" ...

والعلامة الأخيرة، وليست أقل العلامات قيمة للبرقليط هي أنه: "لا يتكلم من نفسه، بل بكل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية" "يوحنا 16: 13".

ولا يوجد شيء أو كلمة أو تعليق من محمد وأصحابه الطاهرين ضمن نصوص القرآن الكريم. فكل محتوياته من كلام الله المنزل، إذ كان محمد ينطق بكلمة الله كما سمعها من جبريل. وكانت تدون على يد كتبة الوحي الأمناء، وكلمات الرسول وأقواله وتعاليمه على قداستها ورفعة قدرها ليست من كلام الله، ولذلك فهي تدعى بالأحاديث.

__________

1 {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116] .

(1/160)

 

إذن، أليس هو الفراقليط الحقيقي، حتى بهذا الوصف؟ وهل باستطاعتكم أن تبينوا شخصًا آخر إلى جانب أحمد، لديه كل هذه الصفات المادية والعملية، وتلك العلامات والمميزات التي للفرقليط؟ إنكم لا تستطيعون ... 1.

ذلك بعض ما جاء في دراسة هذا العالم، والقس السابق، دافيد بنجامين الكلداني، وانتهت به إلى قبول الإسلام دينا حقًا، وقائمًا على العلم والبرهان.

ولقد كان تعليقه على نبوءة المسيح التي ذكرها كاتب إنجيل يوحنا بعد ما لحق بها من تحريف، أن صيغتها الحالية التي تقول على لسان المسيح: "أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد" "14: 16"، أنها تحتاج إلى تصحيح.

فهو يقول: "إذا أردنها أن نجد المعنى الحقيقثي لهذا الكلمات المسروقة أو المحرفة على الصورة التالية:

"سوف أذهب إلى الآب. وسيرسل لكم رسولًا سيكون اسمه البرقليطوس "أحمد" لكي يبقى معكم إلى الأبد." وبالكلمات التي أضيفت والتي تحتها خط، يعود تواضع عيسى الذي سلب منه"2.

ولقد سبق أن برهنا على أن الحديث عن النبي يمكن أن يعني الحديث عن كتاب الله الذي جاء به إلى الناس.

بقيت إضافة لا بد منها، نعرضها باختصار فيما يلي:

"أ" صدق تنبؤات الرسول:

نطق محمد رسول الله بالقرآن كلام الله، وكان مما جاء فيها تنبؤات عن أحداث المستقبل، سواء ما تعلق بالرسالة والرسول، أو بأحداث تخص القوى الكبرى في العالم آنذاك.

__________

1 محمد في الكتاب المقدس: عبد الأحد داود ص202-229.

2 المرجع السابق ص219.

(1/161)

 

فلقد تنبأ القرآن بحفظ شخص الرسول من مؤامرات الناس، فقال: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] .

- وتنبأ القر آن بانتصار الإسلام ونبيه، فنزلت آياته والمسلمون آنذاك يعانون الضعف والتعذيب والاضطهاد -تقول: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 44-45] .

- وتنبأ القرآن بانتصار الروم على الفرس رغم ما نزل بهم آنذاك من هزائم منكرة، إذ احتلت جيوش فارس: الشام ومصر وبلاد الأناضول، وتقدمت شمالًا حتى بلغت البوسفور.

وفي تلك الأثناء نزلت آيات القرآن لتعلن للناس كافة انتصار الروم "في بضع سنين"، ولتبقى إلى الآن تتلى صباح مساء، وتعرف باسم سورة الروم التي تستفح بقول الله: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 1-6] .

إن هذا يكفي لللتأكيد على أن الرسول الآتي بعد المسيح هو روح الحق، محمد الذي نزل عليه القرآن ليخبر حقًا وصدقًا بالغيب، والذي قال في شأنه المسيح: "ويخبركم بأمور آتية" "16: 13".

"ب" تحريفات كتبة الأسفار وأخطاؤهم:

لقد بينا في دراسة سابقة ما انتهى إليه علماء الكتاب "المقدس" من تعرض نصوصه للتحريف والتبديل سواء عن قصد من كتبتها، أو خطأ منهم بسبب سوء الاستنساخ نتيجة لضعف السمع أو البصر أو كليهما.. إلخ1.

ولقد بينت هذه الدراسة أن صفة "المعزي" لا تتفق وواقع الحال بعد المسيح.

__________

1 راجع كتاب: اختلافات في تراجم الكتاب المقدس.

(1/162)

 

وإن الغموض الذي لحق بمعناها في اليونانية إنما يرجع إلى تشابه النطق الصوتي لكلملتين يونانيتين نكتبهما كالآتي:

سكنر.

بالعربية: بيريقليطوس.

المعنى: رجل الحمد. أحمد.

باراقليطوس.

محام. معز "حسب الترجمة الشائعة".

لقد تعرضت أسفار الكتاب "المقدس" كثيرًا لهذا النوع من الأخطاء، وتعطينا "دائرة المعارف الأمريكية" أمثلة ملموسة لذلك تتطلب إعادة تصحيح بعض العبارات التي لا يزال الناس يقرءونها إلى اليوم في التراجم المتداولة دون أن يدركوا لها معنى، لأنها لا يمكن أن تعطي معنى مقبولًا على الصورة التي لا تزال عليها حتى الآن. وفي هذا تقول:

"وثمة نوع آخر من الأخطاء نجده في المزمور 49: 11 فالجزء الأول من الفقرة العبرية يمكن ترجمته إلى الإنجليزية كالآتي:

their inwardness "qirban" is their homes forever, their dwelling places to all generations.

واضح أن هذا الكلام لا معنى له، وقد ترجم في نسخة الملك جيمس بتصرف بعد إضافة الكلمات التي تحتها خط كالآتي:

their in ward thought is that their houses shall continue forever, and their dwelling places to all generations

وهذه الكلمات المائلة غير موجودة في النص العبري على الإطلاق".

وفي الترجمة العربية لنسخة البروتستانت تقرأ هذه الفقرة كالآتي:

"باطنهم أن بيوتهم إلى الأبد مساكنهم إلى دور فدور" "المزمور 49".

(1/163)

 

وتستطرد دائرة المعارف الأمريكية فتقول: "لكننا إذا رجعنا إلى النسخة السبعينية والنسخة السوريانية والنسخة الأرامية. لوجدنا أن هذه الفقرة يمكن ترجمتها إلى الإنجليزية كالآتي:

their graves "qibram" are their homes forever, their dwelling places to all generations.

وواضح أن الخطأ النسخي نشأ عن تبادل الحرفين b&r كل مكان الآخر، حيث تحولت الكلمة التي كتبت أصلًا "qibam" إلى كلمة "qibam"1.

ويمكن ترجمة الفقرة الإنجليزية المذكور آنفا إلى العربية كالآتي:

"قبورهم هي بيوتهم ومساكنهم إلى دور فدور". ولا شك أن هذا يعطي معنى مفهوم غير الذي تعطيه الفقرة 11 من المزمور 49.

"ولقد أكد اكتشاف وثائق البحر الميت "عام 1947" ضرورة إدخال بعض التغييرات على النسخة العبرية الحديثة كما في سفر أشعياء 49: 24 حيث تستبدل كلمة "البار" المذكورة بها إلى كلمة "الجبار" التي تتفق عليها النسخ السبعينية والسوريانية واللاتينية "وهي تقرأ في الترجمة العربية لنسخة البروتستانت هكذا:

"هل تسلب من الجبار غنيمة وهل يفلت سبي المنصور".

ويرجح أن يكون خطأ الكاتب في النسخة العبرية الحديثة بسبب تشابه كلمتي البار والجبار.

كذلك يرى أغلب العلماء ضرورة تهذيب فقرة من سفر عاموس 6: 12 والتي تقرأ هكذا:

"هل تركض الخيل على الصخر أو يحرث عليه بالبقر" -إذ عدم التوافق الموجود في هذه الفقرة يمكن إرجاعه إلى خطأ من الكاتب الإسرائيلي

__________

1 "الأمريكية: جـ3 ص622".

(1/164)

 

بسبب ضم كلمتين عبريتين كان يجب فصلهما. وعلى هذا الأساس تكون قراءة النص بعد معالجته كالآتي:

"هل تركض الخيل على الصخر أو تحرث الثيران في البحر"1.

ليس عجيبًا إذن، أن تتحول كلمة: أحمد، أو رجل الحمد، إلى: المعزي -إذا افترضنا حسن النية- بسبب سوء استنساخ الكلمة اليونانية الأصلية.

"جـ" المسيح وأسماء الناس:

تبين الأناجيل أن المسيح اعتاد أن يطلق اسمًا آخر على بعض أحبابه، يرى فيه دلالة صادقة تميز شخصية كل منهم. فلقد فعل ذلك مع بعض تلاميذه الاثنى عشر: إذ "جعل لسمعان اسم بطرس، ويعقوب ابن زبدى ويوحنا أخا يعقوب وجعل لهما اسم: بوانرجس، أي ابني الرعد" "مرقس 3: 16-17".

ومن هنا كان إطلاق المسيح اسم: أحمد -بصيغة أفعل التفضيل هذه- على محمد رسول الله، الآتي إلى الناس من بعده، متفقًا تمامًا وما عرف عنه. وهو برهان واضح، يضاف إلى البراهين الأخرى، التي تؤكد انطباق النبوة التي نطق بها المسيح في إنجيل يوحنا على محمد الرسول روح الحق، إذ تقول إنه "لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به".

لقد عرف بين الناس، قبل النبوة، باسم: محمد، وعرف بينهم بعد النبوة، باسم: محمد، وذكره القرآن بهذا الاسم أربع مرات. وعلى هذا فإن المنطق البسيط يقول إنه لو كان القرآن من عند محمد لكان أولى به أن يذكر في تبشير المسيح به -الذي ذكره القرآن- اسم: محمد، وليس اسم: أحمد.

__________

1 المرجع السابق ص622.

(1/165)

 

لكنه النبي الصادق الذي {مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 3-5] .

ولهذا جاءت بشارة المسيح في القرآن هكذا:

{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] .

لقد كانت هذه الإضافات براهين إضافية للتأكيد على تمام انطباق نبوءة المسيح التي ذكرها إنجيل يوحنا- على محمد رسول الله.

أما بعد:

إن مسيحية اليوم التي تخلط بين الله والمسيح وتقوم على التثليث تعتبر أكبر الديانات اتباعًا فهي تمثل العالم الذي يتعرض لتبكيت شديد في القرآن الذي جاء به محمد يقول: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88-95] .

لقد جاء القرآن لينذر: {الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 4-5] .

(1/166)

 

حقا، لقد بشر المسيح بنبي الإسلام فقال:

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .

ولقد ترجم القسيس أوسكان الأرمني سفر أشعياء إلى اللغة الأرمنية وطبعت ترجمته عام 1733 وقد جاء في الإصحاح الثاني والأربعين منه هذه الفقرة:

سبحوا الله تسبيحًا جديدًا. وأثر سلطنة على ظهره، واسمه أحمد"1.

وحين جاء نبي الإسلام كانت المسيحية قد صارت دين الإمبراطورية الرومانية، وكان المسيحيون أمما كثيرة تؤمن باسم المسيح، لكنها تختلف فيه اختلافًا كبيرًا. وصل إلى حد القتال المسلح وإراقة الدماء ورمي كل طائفة من يخالفها المعتقد بالكفر والهرطقة.

ولقد تعرض هؤلاء للتبكيت والنذير والوعيد بعد أن جاءهم فيه القول الفصل والقصص الحق:

{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] .

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ

__________

1 من كتاب "خلاصة سيف المسلمين -تأليف حيدر علي القرشي، مطبعة أنتوني بورتولي، ص63-64.

(1/167)

 

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 59-64] .

والآن نقول: إن خلاصة بشارة العهدين -القديم والجديد- بنبي الإسلام نقرؤها واضحة في القرآن بعد أن رأينا كيف اتفقت عليها الكتب المقدسة الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والقرآن.

يقول الحق الرحيم: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 156-158] .

ثالثًا -بشارات أسفار البراهمة:

لقد تميز الباحثون في العقائد والإلهيات من مسلمي شبه القارة الهندية، بالأصالة والعمق والدقة والصبر الجميل. ونخص بالذكر منهم رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي مؤلف الكتاب القيم "إظهار الحق" الذي يعتبر مرجع كل العصور في الحوار المسيحي الإسلامي، ثم أبو الحسن الندوي ومؤلفه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" ووحيد الدين خان مؤلف "الإسلام يتحدى" ومولانا أبو الكلام آزاد في بحثه عن "ذي القرنين" ثم مولانا عبد الحق

(1/168)

 

فديارتي مؤلف كتاب "محمد في الأسفار الدينية العالمية" وفي حقه يقول عباس محمود العقاد: لقد استفاد المؤلف "في مقارناته ومناقضاته بمعرفته للفارسية والهندية والعبرية والعربية وبعض اللغات الأوربية. ولم يقنع فيه بكتب التوراة والإنجيل بل عمم البحث في كتب فارس والهند وبابل القديمة وكانت له في بعض أقواله توفيقات تضارع أقوى ما ورد من نظائرها في شواهد المتدينين كافة، ولا نذكر أننا اطلعنا على شاهد أقوى منها في روايات الأقدمين أو المحدثين من أتباع الديانات الأولى أو الديانات الكتابية"1.

يقول عبد الحق: "إن اسم الرسول العربي" أحمد" مكتوب بلفظه العربي في السامافيدا من كتب البراهمة وقد ورد في الفقرة السادسة والفقرة الثانية من الجزء الثاني ونصها:

إن أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة، وقد قبس منه النور كما يقبس من الشمس" وإن وصف الكعبة المعظمة ثابت في كتاب الآثار فافيدا حيث يسميها الكتاب: بيت الملائكة.

وفي مواضع كثيرة من الكتب البرهمية يرى المؤلف أن النبي محمدًا مذكور بوصفه الذي يعني الحمد الكثير والسمعة البعيدة"2.

رابعًا- بشارات أسفار المجوسية:

يوجد في كتب زرادتشت التي اشتهرت باسم الكتب المجوسية نبوءة في كتاب زندافستا عن "رسول يوصف بأنه رحمة للعالمين "سوشيانت"، ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة أبا لهب "إنجرامينيا"، ويدعو إلى إله واحد لم يكن له كفوًا أحد "هيج جيز باونمار" وليس

__________

1 مطلع النوع: ص12.

2 المرجع السابق ص12-13.

(1/169)

 

له أول ولا آخر ولا ضريع ولا قريع ولا صاحب ولا أب ولا أم ولا صاحبة ولا ولد ولا ابن ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولا رائحة.

"جزآخاز وإنجام وأنباز ودشمن ومانندويار وبدر ومادر وزن وفرزند وحاى سوى وتن أسا وتناني ورنك وبوي أست"1.

رسول العالمين:

تبين دقة البناء القرآني إمكانية اختلاف معنى الكلمة الواحدة حين تختلف صورتها من النكرة إلى المعرفة فهناك فرق بين: صاعقة والصاعقة ومطر والمطر، وماء والماء2.

وعلى سبيل المثال فإن كلمة "الماء" في القرآن الكريم تعني دائمًا الماء الذي ينزل من السماء فتقوم به حياة الكائن الحي من نبات وحيوان وإنسان، وهو الماء الذي يتكون من اتحاد عنصري الإيدروجين والأوكسجين اتحادًا كيميائيًا بنسبة وزنية ثابتة.

ومن أمثلة ذلك قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] .

أما إذا استخدمت كلمة "ماء" فإنها قد تعني "الماء" الطبيعي كما في قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان: 48-49] .

__________

1 المرجع السابق ص13.

2 راجع كتاب المؤلف: العلوم الذرية الحديثة في التراث الإسلامي - ص138.

(1/170)

 

كما أن كلمة "ماء" قد تعني شيئًا آخر غير الماء الطبيعي كما في قوله: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق 5-6] .

فهذا الذي قيل إنه ماء هو جسم سائل يختلط أمره بالماء ويدخل فيه الماء كأحد مكوناته إلا أنه شيء مختلف عن الماء الطبيعي.

كذلك يكون الحال مع كلمة "الكتاب" وما يضاف إليها أو يتعلق بها.

فمن المعلوم أن القرآن الكريم قد استخدم لفظ "أهل الكتاب" ليعني اليهود والنصارى أحدهما أو كليهما.

فهو يعني اليهود في قوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] .

وهو يعني النصارى في قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] .

وهو يعني اليهود والنصارى في قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113-114] .

إن هذا كله يعني أنه كلما جاءت كلمة "الكتاب" مضافة فإنها لا تشير بالضرورة إلى أهل الكتاب.

ولقد حدث الخطأ ووقع المحظور حين ظن بعض المفسرين ذلك في تفسير قوله تعالى في آخر سورة الرعد:

(1/171)

 

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] .

يقول ابن كثير في تفسيره: "قيل: نزلت في عبد الله بن سلام. قاله مجاهد، وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة.

وكان ابن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية....

والصحيح في هذا أن {وَمَنْ عِنْدَهُ} اسم جنس".

لا شك أن اعتراض ابن جبير على القول بأن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام إنما هو اعتراض منطقي لأنه قائم على البرهان.

لقج أصبح واضحًا لنا الآن أن معنى قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} لا يقتصر فقط على "أهل الكتاب" إنما يعني كذلك من عنده علم كتب تسربت إليها نبوءات وبشارات تناقلها الناس عن أنبياء الله ورسله الكثيرين ومنهم الذين عاشوا على هذه الأرض ولم ندر من أمرهم شيئًا لأنهم ممن قال الله فيهم: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] .

لذلك وجدنا بشارت النبي في أسفار البراهمة والمجوس بجانب أسفار اليهود والمسيحيين، وما ذلك إلا لأنه رسول الله إلى هذا العالم، فكان أن ارتبط به العالم على اختلاف ملله ونحله، وهتف باسمه ووصفه قبل أن يراه، وصدق فيه قول الحق: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

(1/172)

 

الرسول في القرآن:

تمهيد:

رسل الله بشر ولدوا جميعًا من نساء جئن من ذرية آدم، اصطفاهم الله واختصهم برسالاته، فهم {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26-28] .

وبين "أمر الله" والعمل في خدمة رسالاته حمل المرسلون أثقالًا وتعرضوا لضغوط عالية ومواقف حرجة وقاسوا محنًا وآلاما وكانت حياتهم جهادا خالصًا في سبيل الله.

ومن المسلمات في واقع الحياة أن "الناس معادن" تختلف خواصهم كاختلاف خواص المعادن والخامات الطبيعية فمنها المتميز النادر كالذهب ومنها الرخيص الوفير كالتراب. ومنها الصلد الشديد كالحديد ومنها الطري اللعوب كالزئبق، ومنها.. ومنها ...

ومن المسلمات كذلك أن الناس مواهب يختلفون في حظوظهم منها كاختلافهم في الأشكال والألوان. فهذا له يد فنان وذاك شاعر بالسليقة وثالث ذو عقلية رياضية. وهكذا.

بعد ذلك يأتي شيء من التعليم والتهذيب -قل أو كثر- ليصقل تلك المواهب ويرتقي بها، فتثبت قدم كل ذي موهبة فيما حظي به.

وفي مجال الرسالة الإلهية لا نجد عجبًا يخالف واقع الحياة أو طبيعة الأشياء فالرسل هم أولًا وأخيرًا بشر من الناس إلا أنهم صنعوا على عين "الحق" فكانوا أهلًا لرسالات الله، و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .

(1/173)

 

وترينا دراسة أحوال المرسلين -وخاصة أصحاب الرسالات الكبرى: موسى وعيسى ومحمد- أن الأمور لم تجر دائمًا وفق مشتيئتهم، فلم يكن لهم "من الأمر شيء" لأن "الأمر كله لله"، وما كانوا بين يديه -سبحانه- أكثر من عباد مخلصين.

ومن هنا كان الصراع العنيف وكانت المعارك الطاحنة في داخل تلك النفوس البشرية العالية قبل أن تكون في خارجها.

ومن المؤكد أن رسل الله -فيما يتلقونه من وحي- ليسوا أكثر من:"أجهزة استقبال" تامة الأمانة والدقة والكفاءة، لا بد أن تبلغ نسبتها العددية 100%.

وفيما عدا ذلك فهم مجتهدون قد يتعرضون لما يتعرض له البشر من هفوات ومآخذ، إلأ أن كونهم أفضل البشر جعل ما يمكن أن يؤخذ عليهم وفق ميزان "الحق" يندرج تحت الحكمة التي تعني أن من حسنات الإبرار ما قد يحسب سيئات للمقربين، باعتبار أن المقربين من الأبرار، وبالتالي كانت موازينهم أدق وحسابهم أصعب.

وإذا كنا نعهد في سيرة العظماء من البشر -رغم اختلاف مقاييس العظمة- كأن "القدر" يعدهم لما صار إليهم أمرهم، فمن باب أولى أن تكون عناية القدر برسل الله، قبل أن تأتيهم رسالات السماء.

لقد كان أول وحي إلى النبي أرميا ينبئه أنه في رعاية الله قبل أن يخلق:

"كانت كلمة الرب إلي قائلًا: قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك: جعلتك نبيًا للشعوب".

وكذلك كانت رعاية الله مع المسيح، إذ أوحى إلى يوسف خطيب مريم أمه أن يهرب به إلى مصر خوفًا من بطش هيرودس.

(1/174)

 

"إذا ملاك الرب ظهر ليوسف في حلم قائلًا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلًا وانصرف إلى مصر".

وكانت عين الله على رسوله محمد قبل أن يكون وبعد أن كان. فلقد حدث في طفولته ما يرويه: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان. كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة.

فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم.. ما أراه لكمة ... وجيعة، ثم قال: شد عليك إرازك، فأخذته وشدتته علي ... ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي ... من بين أصحابي"1.

ولقد حدث في صباه أن استرعى انتباهه عرس بمكة، تجمع القوم فيه للهو واللعب. فذهب إليه كما يذهب الصبية للمشاهدة والسرور. لكنه لم يلبث أن غلبه النوم، فانتحى خلف الدار ونام حتى أيقظته شمس الصباح.

قبل الرسالة:

تحقق خبرات الحياة صدق القول بأن "من شب على شيء، شاب عليه" وأن "الإنسان أسير العادة" وما إلى ذلك من الأمثال السائرة والقواعد السلوكية التي لم تعد في حاجة إلى برهان بعد أن صار الواقع لها خير برهان.

ذلك أن الإنسان يسهل تشكليه وتهذيبه منذ طفولته إلى نحو العشرين عامًا، وتبدأ الصعوبة في التغيير إلى الثلاثين عامًا، وتكاد تبلغ المستحيلات عند الأربعين عامًا.

__________

1 تاريخ الطبري: جـ2- ص201.

(1/175)

 

فإذا كان رسل الله قد اختيروا رجالًا قاربوا الأربعين من أعمارهم أو تخطوها، فإن هذا يعني أنهم كانوا أصلًا مؤهلين بطبيعتهم البشرية وما درجوا عليه من كريم الخصال وتميز المواهب، لكي يكونوا رسل الله إلى خلقه.

فحين جاء أول وحي لإبرهيم أبي الأنبياء "كان "عمره" خمسًا وسبعين سنة".

وحين بدأت رسالة موسى "كان موسى ابن ثمانين سنة".

وحين بدأت رسالة المسيح "كان له نحو ثلاثين سنة".

على أن هناك حالات خاصة من الأنبياء والمرسلين مثل أرميا الذي جاءه الوحي وهو ولد صغير:

"قلت: آه يا سيد الرب، إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد، لأني إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به".

وكذلك يحيى بن زكريا الذي قال عنه "الحق": {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] .

ومحمد رسول الله ليس "بدعًا من الرسل" فقد جاءه الوحي وهو في الأربعين من عمره وقد عرفت أخلاقه وتميزت سماته لكل من خالطه وعرفه.

ولذلك نجد "الحق" يقول في وصف الرسول مبكرًا في صدر سورة القلم التي تعتبر ثاني سورة من القرآن {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .

لقد كان خلق محمد هو أول البراهين على صدق ما جاء به، ورصيده الهائل الذي أعد بقدر الله لخدمة الرسالة.

فحين فاجأه الحق وهو في غار حراء ونزل عليه الملك بأول سورة "اقرأ" ثم انصرف عنه، رجع رسول الله إلى خديجة يرجف بها فؤاده، حتى إذا دخل عليها قال: "زملوني، زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة:

(1/176)

 

"أي خديجة، مالي؟ لقد خشيت على نفسي"، ثم أخبرها الخبر، فقالت خديجة: "أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

لقد كانت أخلاق محمد -التي خبرتها خديجة عن كثب- وما اشتهر به بين الناس من جميل المحامد والسجايا، هي حيثيات الحكم التي استندت إليها في التأكيد على صدق ما جاءه، وأنه "الحق" من الله.

ولقد حدث ابن عباس قال: "لما أنزل الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} 1، أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- الصفا، فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه".

فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي.. أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ "

قالوا: نعم. ما جربنا عليك إلا صدقًا.

قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

فقال أبو لهب "عمه": تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ 2.

بقي أن نلاحظ في قول الحق: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 3، أن كلمة "على" للاستعلاء، وأن الخلق العظيم خاصية من خلقته الطبيعية وفطرة فطر عليها، فدل ذلك على أن الرسول في هذا المجال كالسيد بالنسبة لمن ساد عليه.

واستمر خلق الرسول يستخدم كواحد من خير البراهين على صدق رسالته، فكانت آيات القرآن تشير إلى ذلك بين الحين والحين حتى تذكر من جحد نبوته

__________

1 الشعراء: 214.

2 تفسير الفخر الرازي، وابن كثير.

3 القلم: 4.

(1/177)

 

من عشيرته وقومه بسابق عهدهم به صادقًا وأمينًا، فقد عرفوه عن قرب معرفة الصاحب لصاحبه، وخبروا رجاحة عقله وطيب معدنه. فالذي يأتيه إنما هو وحي السماء استقبلته نفس محمد الطاهرة وعقله الواعي:

{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 15-22] .

وحين حاولوا مداهنته وطلبوا منه قرآنا لا يسفه آلهتهم ولا يدعو إلى نبذ عبادة اللات والعزى ولا يحرم عليهم ما تردوا فيه من خبائث ومنكرات كان قول "الحق":

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 15-17] .

ثم كانت هذه الدعوة للمكيين بتحرير الفكر وتحري الحقيقة في أمر صاحبهم، وذلك بانبعاثهم مثنى، أو فردًا فردًا، ثم تفكرهم في أمر محمد على ضوء سابق عهدهم به، وحين يصدقون العزم ويتجردون من الهوى، سوف تصدق نتائج تفكيرهم.

وهذه الدعوة للتفكير علمية ولا شك، فهي تأخذ في اعتبارها "علم النفس" وخصائص النفس البشرية التي قد تكابر في الحق حين تطرح القضية أمام ملأ من الناس، لكن احتمالات رجوع تلك النفس إلى الحق يكون أكبر حين يخلو

(1/178)

 

الإنسان بنفسه أو يفكر مع صديق له فآنذاك يرشد كل صاحبه ويستمع الواحد للآخر ولا حرج.

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46] .

نعم كان خلق محمد قبل الرسالة كافيًا لإيمان القوم به، لكنهم كذبوه جحودًا واستكبارًا لأهواء شخصية ودوافع قبلية ولم يكن تكذيبهم راجعًا لاختلاط أمره عليهم. وفي هذا يقول "الحق":

{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .

بداية الطريق:

الرسالة الإلهية طريق غايته الوصول إلى الله ...

وهو طريق يهدي الذين أرسل إليهم، كما سبق وقد هدى من قبلهم المرسلين.

يهدي الذين أرسل إليهم بكتاب الله وسنة رسوله، بعد أن هدى المرسلين بالوحي الإلهي والتعاليم السماوية.

وفي قصة إبراهيم -الذي صار أبا الأنبياء- كان "ابن تسع وتسعين سنة حين ظهر له الرب وقال له:

"أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملًا. فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرًا جدًا.

فسقط إبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلًا:

أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك".

(1/179)

 

إنه طريق إلى الله، يسير فيه الإنسان.

ويحتاج المسافر في كل طريق إلى من يأخذ بيده ويهديه الغاية ويعطيه الوسيلة ويحذره المصاعب والأهوال، ويعرفه القواعد والأحكام. هكذا الطريق إلى الله.

ومن أعلم بالطريق إليه -سبحانه- إلا هو، فهو الذي يهدي إليه، ولا هدي إلا به.

إذ يرسل ملائكته سفرة حفظة، بكتبه المكرمة إلى رسله المصطفين الأخيار والطريق شاق وطويل ...

هكذا كان مع نوح وإبراهيم وموسى وإلياس. ويحيى وعيسى، وهكذا كان مع محمد.

النبأ العظيم:

فجيء الوحي محمدًا في غار حراء، فأوحى إليه ما أوحى وصاحب ذلك ما صاحبه من خوف وربهة. ويقص محمد الخبر على خديجة، فتخفف من روعه بادي الرأي استنادًا إلى خبرتها الوثيقة. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فما كان خبر السماء إلا ليؤخذ بكل الجد ويستيقن منه بالبحوث والتجارب.

وهناك يحدث أمران هما بمقياس العصر تجارب معملية كتلك التي تجرى لدراسة ظاهرة من الظواهر الطبيعية.

الأول: انطلقت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد عرف خبر الوحي من الأسفار السابقة، فلما أخبرته بما حدث لمحمد وما رآه وسمعه أطرق مليًا ثم قال: "قدوس قدوس.. والذي نفس ورقة بيده: لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت".

(1/180)

 

الثاني: طلبت خديجة إلى محمد أن يخبرها بمجيء الملك متى رآه. فلما جاء الملك أجلست زوجها محمدا على فخذها الأيسر ثم على فخذها الأيمن ثم في حجرها وفي كل مرة تسأله عنه فيخبرها أنه لا يزال يراه.

حتى إذ حسرت وألقت خمارها فإذا بمحمد لم يعد ير الملك.

لم يبق -إذن- شك في أن هذا الذي يأتيه هو ملك طاهر، كما لم تبق هناك أية فرصة للشك في أن محمدًا وخديجة كانا أكثر الناس حرصًا على التثبت من حقيقة هذا الأمر الجديد الذي لا عهد لهم ولأمتهم به.

ولقد رأينا عند الحديث عن الوحي1 كيف صار صموئيل نبيًا فقد كان يخدم أمام الكاهن عالي، وبعد أن اضطجع للنوم، إذ به يسمع صوتًا يناديه فظنه عالي، فذهب إليه فقال عالي: "لم أدع، ارجع واضطجع"، ولما تكرر ذلك للمرة الثالثة "فهم عالي أن الرب يدعو الصبي فقال عالي لصموئيل: اذهب اضطجع ويكون إذا دعاك تقول: تكلم يا رب لأن عبدك سامع ...

فجاء الرب ... ودعا كالمرات الأولى ... فقال صموئيل: تكلم لأن عبدك سامع ...

وكبر صموئيل وكان الرب معه.. وعرف جميع إسرائيل ... أنه قد أؤتمن صموئيل نبيا للرب".

فهكذا صار صموئيل نبيًا للرب في ساعة من ساعات الليل وبكل بساطة وبلا جدل أو تمحيص.

ويعتبر صموئيل هذا من كبار أنبياء بني إسرائيل وهو الذي اعتمد شاول كأول ملك يقوم في إسرائيل وهو الذي مسح داود نبيًا "وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا".

__________

1 راجع كتاب المؤلف: الوحي والملائكة.

(1/181)

 

فروض وتكاليف:

من الطبيعي أن يبدأ التعليم الإلهي بالرسول.. وهكذا كان فلقد فرض عليه القيام بالليل، تعبدًا لله وتهذيبًا، وبعد أن انقضى عهد الراحة والنوم متزملًا ومتدثرًا.. وبدأ عهد جديد كله عمل وكفاح وصبر وجهاد.

وهو عمل في دوائر متحدة المركز تماثل تلك الدوائر التي تنبعث على سطح الماء لبحيرة هادئة إذا ما أصابتها قذيفة.

وحين نبدأ بالرسول في المركز نجد أقرب دائرة إليه أهل بيته، ثم صحبه المخلصين، ثم عشيرته الأقربين.

وهكذا نزلت أولى آيات سورة المزمل لتقول: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 1-4] .

هو فرض وتكليف، إذا صرفنا النظر عن كونه شغلًا مبذولًا وطاقة مستنفذة فلا شك أن النفس العالية لا بد وأن تستقبل ذلك التكليف بشيء من الخوف والرهبة، حذرًا من الضعف الذي ارتبط بالإنسان، أو مخافة عدم الإتقان.

لكنه -في الحقيقة- تكليف غلفته رحمة الله، ذلك أن النفس البشرية بطبيعتها تشعر بشيء من الراحة ويهون عليها الصعب حين تجد لها فيه خيارًا.

وهكذا كان فرض قيام الليل، إذ ترك الخيار في مقداره فزال بذلك الحرج وخف التكليف.

ولكي يعلم الرسول حقيقة ما انفتح عليه من السماء كانت الآية التالية لما سبق ذكره من سورة المزمل تخبر بكل وضوح أنه يتعرض لضغط عال من السماء يجب أن يستعد له منذ تلك اللحظة فهي تقول: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] .

لقد كان نزول القرآن على الرسول عملية تصحبها الشدة ويلازمها الضغط الثقيل، وحين قال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله. هل تحس بالوحي؟

(1/182)

 

أجابه الرسول يقول: $"أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض".

وقال زيد بن ثابت: "أنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفخذه على فخذي، فكادت ترض فخذي".

وأما من الناحية الموضوعية فإن القرآن حجة على كل من بلغه وشاهد له أو عليه يوم الدين، فأمره جد ليس بالهزل، وهو نبأ عظيم، يلازمه من الأمور ما يلازم كل نبأ عظيم.

ثم تأتي مرحلة جديدة وهي إعلان الرسالة في الدائرة التالية، نذيرًا وبشيرًا لقوم يسمعون مع زيادة في التعليم لما يجب أن يكون عليه حال الرسول. فقد نزلت سورة المدثر لتقول:

{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1-7] .

لقد بدأ الصراع ولا محيص، ذلك أن العرب حين نزل فيهم القرآن كانوا أمة أمية، عزلتها الصحراء وطبعت عليها من سماتها الشيء الكثير، فآثرت الحفاظ على تراث الأقدمين بكل ما فيها من مساوئ، ومثالب. وهي مستعدة للقتال ضد كل تطور أو دعوة لنبذ ذلك القديم. حتى ولو كانت هذه الدعوة من السماء.

محنة روحية:

نزل الوحي بالقرآن وبدأت نواة الإسلام في بيت محمد فكان السابقون إليه زوجه خديجة، وابن عمه وربيبه الصبي علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، ثم كان السابقون بعد بيته يتقدمهم "صاحبه وصديقه الحميم أبو بكر الذي آمن لفوره، دون أن يكون له في الإسلام كبوة، والذي طفق يدعو إليه منذ

(1/183)

 

اللحظة الأولى من وثق فيهم من القوم فتابعه على الإسلام عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام. ثم أسلم بعد ذلك أبو عبيدة بن الجراح وغيره كثير من أهل مكة".

وكان الواحد منهم إذا هدي إلى الإسلام ذهب إلى النبي سرًا فأعلن إسلامه.

وكان ذلك التخفي راجعًا إلى علم المسلمين الأوائل بما يضمره المجتمع القرشي من عداوة شديدة لكل من يفكر في الخروج على آلهته المتوارثة ومعبوداته الوثنية.

لكن أمر الوحي ونزول القرآن وإعلان نبوة محمد كان خبرًا يذاع منذ اللحظة الأولى ويكفي ما أعلنته خديجة لورقة بن نوفل وهي تستقي منه الخبر الذي لم تعهده العرب منذ قرون عديدة.. وما كان هذا الخبر بالذي يمكن كتمانه في مثل تلك البيئة التي اشتهرت بتناقل الأخبار وتقصي الروايات، وكان عندها من الفراغ الذهني والفكر ما يجعلها تذيع كل ما تلتقطه الآذان صباح مساء.

وإذا بمفاجأة لم يتقوقعها الرسول تحدث.

لقد توقف الوحي، إذ انقضت ليلة وليلتان وليالي وآيام ولا خبر من السماء.

وذاع هذا الأمر -كالمعتاد- وشمت الشامتون من الكفار وقالوا: إن محمدًا ودعه ربه، وأشفق الصحب من المسلمين ولعل منهم من حدثته نفسه فقال للنبي: ما أرى ربك إلا قد قلاك.

وبين هذا وذاك عانى النبي في تلك المحنة الروحية الشيء الكثير، حتى ترانا لا نعجب حين نقرأ لكتاب السيرة وهم يتحدثون عن فتور الوحي فيقولون: إن النبي هانت عليه نفسه وتمنى لو ألقى بها من أعلى جبل حراء أو أبى قبيس بعد أن ألفى نفسه وحيدًا هكذا كالمعلق بين السماء والأرض.

لقد سبق أن طلب موسى من الله الموت لنفسه حين ثقل عليه الأمر مع بني إسرايل: "فقال موسى للرب: لماذ أسأت إلى عبدك، ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى إنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟

(1/184)

 

إن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلًا.. فلا أرى بليتي" "العدد 11: 11-15".

وكذلك طلب إلياس "إيليا" الموت لنفسه بعد أن أرهقته مطاردة آخاب ملك إسرائيل الفاجر وزوجته إيزابل وهما يطلبان قتله، فإذا ثقل عليه الأمر واشتد الكرب "سار في البرية مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب. خذ نفسي" "الملوك الأول 19: 4".

لكن {رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] .

فما لبث الوحي أن عاد للنزول بعد أن فتر حينًا تعلم فيه النبي الصبر والتعلق كلية بالله الذي وحده "له الخلق والأمر".

وكانت سورة الضحى خير عزاء للرسول وبشرى وتثبيت:

{وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 1-5] .

واستمر الوحي نزولًا وآيات الله تترى، حتى إذا انقضت عدة سنوات تعرض النبي لتجربة أخرى تناظر تلك المحنة الروحية التي فجأته في صدر الدعوة

فإذا كانت الحرب على أشدها بين القرشيين وأشياعهم من جابب، ومحمد والمسلمين من جانب آخر.. "بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالو لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.

فقال "أحبار اليهود": سلوه عن ثلاث.. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول.. وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها.. وسلوه عن الروح ما هو؟ ...

فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وقد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور،

(1/185)

 

فأخبرهم بها فجاءوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أخبركم غدًا عما سألتم عنه" ولم يستثن، فانصرفوا عنه.

ومكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألنا عنه، وحتى أحزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.

ثم جاءه جبرائيل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه"1.

لم يقل الرسول لمن سألوه: "أخبركم غدًا عما سألتم عنه إلا أن يشاء الله" فكان ذلك الحرج الشديد والأذى والمعاناة".

إنه نبي ورسول من عند الله، كل كلمة بل كل حرف وتصرف بحساب وإلا فهناك حساب يتناسب وأقدار الرجال. ثم نزل التعليم الإلهي للرسول بأن نزول الملائكة بالوحي عبر الزمان لكل الأنبياء والمرسلين لا يتم إلا بأمر الله الذي له وحده المشيئة المطلقة "وهو الحكيم الخبير".

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] .

وتطالعنا الآن نتيجة حتمية أكدتها أحداث الرسالة في الإسلام -سبق أن أشرنا إليها- وهي أن رسل الله تحت ضغط الوحي ليسوا أكثر من "أجهزة استقبال" تامة الدقة والأمانة بالغة الحساسية، فحين تأتيها الإشارة من السماء

__________

1 تفسير ابن كثير: سورة الكهف.

(1/186)

 

تلتقطها وتذيعها، أما حين يتوقف الإرسال فلا استقبال ولا إذاعة، بصرف النظر عما يصيب رسل الله آنذاك من حرج وأذى وضيق، إذ إن الأمر كله لله وهم خدم في بيت رسالته.

الرسول بين يدي الله:

تقرير واقع: نزلت سورة الضحى لتطمئن الرسول وتشف صدور المؤمنين وتذهب غيط قلوب الكافرين ثم تذكر الرسول بواقع الأمر فتقول له:

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 6-8] .

هذه حقائق ثلاث كانت في حياة الرسول، يهمنا منها ما يتصل بالدين. فمن المعلوم أنه -صلوات الله عليه- نشأ في أمة أمية وفي مجتمع وثني، عزفت نفسه المطهرة عن المشاركة في سفاهات قومه على أية صورة من الصور، فلقد أيقن بفطرته السوية أنهم في معتقداتهم الدينية على باطل لا مراء فيه، ولكن أين الحق إذن؟

إن هذا ما تطلعت نفسه دائمًا لإدراكه وكانت وسيلته الوحيدة هي التباعد عما فيه قومه، ثم التفكير وحيدًا في هذا الكون العظيم وظواهره ونواميسه. ولقد طاب له التأمل والتفكير وهو يرعى الغنم في الصحراء ثم وجد في التحنت أو التحنف خير داواء مستطاع لما يختلج في صدره، فكان يذهب إلى غار بجبل حراء فيقضي فيه ما شاء الله من ليالي وأيام يفكر في الكون وخالقه، ثم يعود إلى خديجة بعد أن يكون قد نفد ما معه من قليل الزاد.

ولم يلبث أن تعهدته العناية الإلهية بالرؤيا الصادقة -التي تعتبر إرهاصًا للوحي في حياة الأنبياء- فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت صادقة كنور الصباح. وأخيرًا جاء الحق وحيًا من الله، قرآنًا.

لقد هداه الله فعرفه الحق وسبله، فالهدى يعني التعريف بالطريق كما في

(1/187)

 

قوله تعالى في سورة البلد 10: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أي عرفنا الإنسان طريقي الخير والشر، فيسلك الأول، ويجتنب الثاني.

وكذلك قوله في سورة الصافات 23: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} أي أرشدوهم إلى طريق جهنم. والضلال عكس الهدى بمعنى الجهل بالشيء كما يقال في اللغة: ضللت الدار -أي لم أعرف موضعها.

والضلال يعني النسيان كذلك وعدم الإلمام بالشيء، أو جزئياته أو إهماله كما في قوله تعالى في آية التداين من سورة البقرة 282: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} .

فضلال الشاهدة هنا يعني نسيانها حقيقة الشهادة.

وحين قال فرعون لموسى، وهو يمن عليه بما كان من سابق أمره حين تربى في بيت الملك، ثم قتل المصري وهرب إلى مدين -ما تذكره سورة الشعراء 18-21: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

فقول موسى: {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} أي الجاهلين بالحقائق، كما تعني كذلك حال موسى قبل النبوة والرسالة.

وعلى ضوء هذا نفهم معنى قوله تعالى لنبيه: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} 1.

فقول الله حق، {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} 2.

__________

1 الضحى: 7

2 الأحزاب: 53.

(1/188)

 

على أن لهذا القول دلالة لا تخفى على كل من {كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} 1 فهذا القول يعني أن محمدًا الذي اشتهر بالأمانة -قبل الرسالة- بين الناس، لهو أشد أمانة فيما يتنزل إليه من ربه من قرآن.

إن القرآن هو الذكر الحكيم، وما أنزل الله {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} 2 ولقد صرفه -سبحانه- بين الناس ليذكروا، {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} 3 ولهذا نجد القرآن يعيد التذكرة بعد سنوات من نزول سورة الضحى فيقول: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍوَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [الشورى: 52] .

بل إن القرآن ليقرر حقيقة نبؤها عظيم وأمرها جد، فيقول للرسول على لسان "الحق" إنه لا يملك من أمر القرآن بعد نزوله شيئًا، كما أنه لم يكن يملك من أمره شيئًا قبل التنزيل. فالله قادر أن يذهب بما أوحى، وآنذاك يجد الرسول نفسه وقد تقطعت به كل الأسباب.

{وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 86-87] .

ولا عجب. فالأمر كله لله، ليس الأمر فقط، بل له سبحانه "الخلق والأمر" فهو الذي يملك السمع والأبصار و.. يدبر الأمر".

وفي تذكرة للإنسان، يقول القرآن: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 46] .

__________

1 سورة ق: 37.

2 طه: 3.

3 الذاريات: 55.

(1/189)

 

فالله وحده له المشيئة في كل شيء:

{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى، وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: 6-8] .

ولقد كان الأنبياء جميعًا واعين لتلك الحقيقة الهامة، وهي أن الإيمان الذي ملأ قلوبهم هو في قبضة "الحق"، وعلى المؤمن الحقيقي أن يسأل الله دائمًا الثبات على اليقين والترقي في مراتب الإيمان. ولهذا قال إبراهيم أبو الأنبياء في محاوراته مع قومه: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 8-82] .

وعلى شاكلة إبراهيم -ومن بعده- كان موقف شعيب مع قومه، إذ: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 88-89] .

ليس الإيمان فقط -وهو الشيء غير المادي -الذي يرد حفظه إلى الله، بل إن كتاب الله المسطور يرد حفظه إلى الله كذلك، فإن شاء حفظه وإن شاء استحفظ عليه البشر. وفي هذه الحالة الأخيرة يصبح معرضًا -ولا شك- للتغير والتبديل، لأن الزيغ من طبع الإنسان.

(1/190)

 

وما حدث لتوراة موسى خير دليل على ذلك.

فحين ذهب موسى لميقات ربه يتلقى التوراة بعد أن استخلف أخاه هارون في قيادة بني إسرائيل أعطى الله "موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله".

لكن الشعب الإسرائيلي انتهز فرصة غياب موسى فخرج على قيادة هارون وضع له عجلًا مسبوكًا من الذهب غنمه من المصريين قبل رحيله وقام يعبده ويلعب حوله.

"فقال الرب لموسى: اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر.. صنعوا لهم عجلًا مسبوكًا وسجدوا له.

فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل".

لقد كسر موسى بنفسه التوراة التي كتبتها يد القدرة ولم يجف مدداها بعد ...

ولذلك "قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين اللذين كسرتهما.. واصعد في الصباح إلى جبل سيناء".

ولكن الذي حدث بعد ذلك أن موسى هو الذي كتب التوراة، فقد:

"قال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات، فكتب على اللوحين كلمات العهد، الكلمات العشر".

ومن المعلوم أن التوراة تعرضت بعد ذلك للحرق والضياع، وقد أعاد عزرًا كتابتها بعد أكثر من 700 عام من نزولها على موسى.

هذا.. ولما كان "النبي" هو الذي ينبئ عن الله، أي يخبر الناس بما يريد "الحق" سبحانه -أن يظهره إلى الخلق، فإن "النبي" لا يستطيع أن يحدث بشيء من الغيب إلا ما شاء الله.

(1/191)

 

وكانت "الساعة" من الأمور التي بقي علمها عند الله فخفيت عن جميع الأنبياء والمرسلين.

ولقد كان كفار قريش ينكرون القيامة والساعة وكأنهم أرادوا تعجيز الرسول فسألوه عنها سؤال المنكر المصر على جحوده فجاء الحق يقول:

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] .

ومن قبل قرر المسيح لتلاميذه أن القيامة والساعة شيء اختص الله بعلمه، فأخفاه عن جميع خلقه بما فيهم الملائكة والمسيح، فقد قال لهم:

"أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب".

ومن الطبيعي أنه ما دام أمر الساعة قد خفي عن كبار الأنبياء، فإن مصائر البشر الأبدية التي تتقرر في الساعة، لا تتقرر إلا بأمر الله {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] .

وحتى أنبياء الله {لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] .

بل إن ملائكة الله لا يشفعوه إلا من بعد إذنه:

{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] فالأمر متوقف آنذك على رضوان الله وحده لا شريك له.

(1/192)

 

ويقطع تاريخ الأنبياء بأن النبوة لا تعني مداومة النبي الاطلاع على الغيب، فكلهم لم يعلم منه شيئًا إلا ما أظهره الله عليه وفق قدره المحكم والمحتوم.

فقد حدث لإبراهيم حين تغرب في أرض جرار أن قال عن سارة زوجته إنها أخته، فلما أنكر زوجيتها له "أرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة" ليعاشرها معاشرة الأزواج "فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: هأنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل ...

فبكر أبيمالك في الغد ودعا جميع عبيده ... ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا.. حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة.

فقال إبراهيم: إني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله ألبتة فيقتلونني لأجل امرأتي" "تكوين 20" فمن الواضح أن إبراهيم كان لا يعلم ما ينتظره في الغد ولذلك أنكر زوجيته لسارة.

وحدث بعد ذهاب موسى وأخيه هارون إلى فرعون ليخرجا بني إسرائيل من مصر أن فرعون زاد من اضطهاده للإسرائيليين "فرأى مدبرو بني إسرائيل أنفسهم في بلية ...

وصادفوا موسى وهارون واقفين للقائهم حين خرجوا من لدن فرعون فقالوا لهما:

ينظر الرب إليكما ويقضي لأنكما أنتنتما رائحتنا في عيني فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفًا في أيديهم ليقتلونا.

فرجع موسى إلى الرب وقال: يا سيد، لماذ أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذ أرسلتني؟

فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب، وأنت لم تخلص شعبك" "خروج 5: 19-23".

فمن الواضح أن موسى كان يجهل الأحداث الجسام التي تنتظره وبني إسرائيل، ومنها تخليصهم من قبضة فرعون في أيام معلومات.

(1/193)

 

وحين ضاقت السبل بإيليا من مطاردة آخاب وإيزابل فإنه "جلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب خذ نفسي.

وإذا بملاك قد مسه وقال: قم وكل. ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال: قم وكل لأن المسافة كبيرة عليك. فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب ودخل هناك المغارة وبات فيها" "الملوك الأول 19: 4-8".

فمن الواضح أيضًا أن نفس إيليا ما كانت تدري {مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} وما كانت تدري {بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} 2.

ولقد حدث حين شعر المسيح بمؤامرات اليهود تحاك ضده وأنهم يريدون قتله، أن قال لهم في الهيكل: "تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.. لماذا تطلبون أن تقتلوني ... وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية لأن اليهودكانوا يطلبون أن يقتلوه".

واستمرت هذه سياسة المسيح تجاه اليهود في تجنب الأماكن التي يمكنهم اصطياده فيها:

"فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقلتوه. فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها أفرايم ومكث هناك مع تلاميذه" "يوحنا 11: 53-54".

فمن الواضح أن المسيح كان يجهل تمامًا ما يخبئه له القدر في صراعه مع اليهود، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما ارتآه معينًا على إفشال مخططاتهم ضده.

لأنه لو كان يعلم أنهم سيصطادونه في يوم معين لما كان هناك فائدة من تلك الاحتياطات، ولو كان يعلم أنهم لن يصطادوه أبدًا فلم يكن لها من داع أيضًا.

وإنما تتخذ الاحتياطات بسبب الجهل بالغيب.

__________

1، 2 لقمان: 34.

(1/194)

 

لقد درج كثير من الناس على اعتبار الأنبياء وكلاء عن الله في كل ما يتصل بالغيب من شر وما ينتظر الناس من مصائر وأقدار. ولقد حسم القرآن الكريم هذه القضية حسمًا، فقال فيها الحق الواضح الذي يمنعها أن تكون وسيلة للتسلية والتعجيز من عتاة الكافرين، أو مدعاة للأحاجي والألغاز بين ضعاف المؤمنين وذلك في آياته البينات:

{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] .

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] .

وإذا كان الرسول قد بعثه الله ليهدي الناس ويأخذ بأيديهم بعيدًا عن مهاوي الضلال، فما هو إلا معلم ومبلغ وداع إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

أما استجابة الناس إلى الهدي فليست من مسئولياته، بل إنه لو أراد إكراههم على ما فيه منفعتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا:

{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21-22] .

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272] .

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] .

وخلاصة القول في تقرير واقع "الرسول بين يدي الله" هو ما يقرره "الحق" في قوله المحكم":

(1/195)

 

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] .

التعاليم الأساسية:

استفتح القرآن -في سورة "اقرأ"- باسم الإله الذي {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} فهو الإله {الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 3-5] .

ثم توالت آيات الله، وعلى هديها قام الرسول يدعو إلى ربه على بصيرة، وفي مواجهته قام المشركون من قريش والذين كفروا به من اليهود، يحاربونه ومن تبعه بكل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

وفي محاوراتهم معه قال المشركون: "انسب لنا ربك" وجاءه أناس من اليهود يقولون: "صف لنا ربك، فإن الله أنزل نعته في التوراة".

فأنزل الله -تعالى- سورة "الإخلاص" وهي نسبة خاصة لله؛ تقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .

ولقد علم الرسول أصحابه أنها "تعدل ثلث القرآن".

كان طبيعيًا -إذن- أن تكون سورة "الإخلاص" من أوائل السور التي نزلت في صدر القرآن، إذ هي تضع الأساس الذي يقوم عليه الإسلام، فما اتفق معها يتفق والعقيدة الإٍسلامية، وما اختلفت معها استحال التوفيق بينه وبين أساسيات الإسلام، مهما اجتمع لذلك من فلاسفة العصر وقادة الفكر وشيوخ الأديان.

وكان منطقيًا أن يكون أساس العقيدة واضحًا كل الوضوح بسيطًا كل البساطة، يفهمه كل ذي عقل سواء من أوتي حظًا من علم أو كان من الجهلة والأميين. فمن غير المعقول أن يكون أساس الدين -الذي يتوقف عليه المصير

(1/196)

 

الأبدي للإنسان- قائمًا على قصص وأقاويل تعاني في سبيل وعيها العقول والأفهام.

وكان عدلًا ورحمة أن يدخل الإنسان -كل الإنسان- دائرة الغفران والقبول طالما سلم أساس عقيدته فقام على التوحيد الخالص، المبرأ عن كل شبهة وشرك، فكل ما رواء ذلك يمكن أن يهون لأن رحمة ا